فيه طبيعة صنف من الناس مرد على الجفوة في التعبير والإسراع بالشر ، وأمثال هؤلاء لو عوجلوا بالعقوبة لقضت عليهم ، ولما كانت ظلما .
لكن المصلحين العظماء لا ينتهون بمصاير العامة إلى هذا الختام الأليم ، إنهم يفيضون من أناتهم على ذوي النزق حتى يلجئوهم إلى الخير إلجاء ، ويطلقوا ألسنتهم تلهج بالثناء .
وثمن ذلك لا يضن به الواجد الأريب ، ولو كان عطاء سخيا ، فما بذل المال إلى جانب ملك الأنفس ؟
إن الأعرابي الذي اشترى رضاه بما علمت لا يبعد أن تراه بعد أيام وقد كلف بعمل خطير ، يقدم فيه عنقه عن طيب خاطر ! ! وما المال في أيدي المصلحين الكبراء إلا حاجة العفاة « 1 » من الوافدين الطامعين ، أو هو قمام الأرض تستناخ به الرواحل الجامحة ، لتقطع عليها المفازات الشاسعة .
وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يستغضب أحيانا غير أنه ما يجاوز حدود التكرم والإغضاء .
والمحفوظ من سيرته أنه ما انتقم لنفسه قط ، إلا أن تنتهك حرمة اللّه فينتقم للّه بها .
ولما قال له أعرابي جلف وهو يقسم الغنائم : اعدل ، فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه اللّه ، لم يزد في جوابه أن بين له ما جهله ، ووعظ نفسه وذكرها بما قال له فقال : « ويحك فمن يعدل إن لم أعدل ؟ خبت وخسرت إن لم أعدل » ونهى أصحابه أن يقتلوه حين هم بعضهم بذلك .
* * * خطب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الناس عصر يوم من الأيام فكان مما قاله لهم :
« إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى :
« ألا وإن منهم البطيء الغضب سريع الفيء ، والسريع الغضب سريع
هامش
( 1 ) طلاب العطايا .