الحلم والصّفح
تتفاوت درجات الناس في الثبات أمام المثيرات ، فمنهم من تستخفه التوافه فيستحمق على عجل ، ومنهم من تستفزّه الشدائد فيبقى على وقعها الأليم محتفظا برجاحة فكره وسجاحة خلقه « 1 » .
ومع أن للطباع الأصيلة في النفس دخلا كبيرا في أنصبة الناس من الحدّة والهدوء ، والعجلة والأناة ، والكدر والنقاء ، إلا أن هناك ارتباطا مؤكدا بين ثقة المرء بنفسه وبين أناته مع الآخرين ، وتجاوزه عن خطئهم ؛ فالرجل العظيم حقا كلما حلّق في آفاق الكمال اتسع صدره ، وامتد حلمه ، وعذر الناس من أنفسهم ، والتمس المبررات لأغلاطهم ! فإذا عدا عليه غرّ يريد تجريحه ، نظر إليه من قمته كما ينظر الفيلسوف إلى صبيان يعبثون في الطريق وقد يرمونه بالأحجار .
وقد رأينا الغضب يشتط بأصحابه إلى حد الجنون ، عندما تقتحم عليهم نفوسهم ، ويرون أنهم حقّروا تحقيرا لا يعالجه إلا سفك الدم .
أفلو كان الشخص يعيش وراء أسوار عالية من فضائله يحس بوخز الألم على هذا النحو الشديد . كلا إن الإهانات تسقط على قاذفها قبل أن تصل إلى مرماها البعيد .
وهذا المعنى يفسر لنا حلم هود وهو يستمع إلى إجابة قومه بعد ما دعاهم إلى توحيد اللّه :
هامش
( 1 ) سجاحة الخلق : لينه وحسنه .