في مزرعته وهو يزرع ، أو في مصنعه وهو يصنع ، أو في متجره وهو يتجر ، أو في حرفته وهو يحترف ، ثم في جهده وهو يجهد ، وفي راحته وهو يستجمّ .
في صلته بالمالك إذا كان عاملا ، ورابطته بالعامل إذا كان مالكا ، وبالعملاء إذا كان ممتهنا .
في أواصره مع أرحامه الأدنين ومع أصدقائه الأقربين ومع شركائه في الأسرة وزملائه في العمل ، ثم مع إخوانه في الدين ، وأكفائه في البشرية .
وفي الحقوق التي تجب عليه لأي واحد من أولئك كلهم والواجبات التي تثبت له عليهم ، والضمانات التي تصان بها الحقوق والواجبات .
هذا هو الإمام ( زين العابدين ) في مناهجه القويمة ، التي تصلح البشر في كل أنحائه ، وتصف له العلاج الواقي من كل أدوائه ، وتسدّ كل ضرورة له في الحياة ، وتجيب كل تطلع في الفطرة وتروي كل غلة .
هذا هو الإمام ( زين العابدين ) في مراميه البعيدة من وراء تلك العقائد ومن وراء تلك المناهج ، مراميه العالية التي تمكن لغايته الكبرى .
في إعلاء هذه الحياة ، وتطور شؤونها وترقية فنونها وإصلاح حركاتها وفتح مقفلاتها .
وإن إسعاد البشر والارتفاع بمكانته ، والتحليق بفرده ومجتمعه إلى المنزلة السامية الكريمة ، التي أهل لها لما استخلف في هذه الأرض واستعمر فيها .
لما جعل السيد المطاع ، والرئيس المرموق على ظهر هذا الكوكب . لما أودعت فيه هذه النفخة من روح اللّه ، وهذه القبسة من نوره . لما كرمه اللّه وحمله في البر والبحر ، ورزقه من الطيبات ، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا .
إن إسعاد البشر والارتفاع به إلى المنزلة الخطيرة ، يفتقر إلى تفقيهه أسرار هذه الرسالة وتبصيره مدارج الرقي فيها ، ووضع يده على مفاتيح كنوزها ومقاليد رموزها ، وهذا ما دأب فيه ( الإمام عليه السّلام ) وبذل له أقصى جهده ، وأناط به وفرة كبيرة من تعاليمه .
هذا هو ( الإمام زين العابدين ) في رسالته القويمة الجليلة ، التي تجري مع الفطرة في بساطتها ومع البرهان في قوته ، ومع حقائق الكون في ثباتها واضطرادها ، فلا تعتاص على الذهن البدوي البسيط ، ولا تضوى في الفكر الفلسفي العميق ، ولا تلتاث
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 11
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص١١