إذن فما ذا يمنعكم من الاعتراف بوجود واجب الوجود ، مع مشاهدة أعماله في هذا الكون الذي لا بد من تعليله به .
يا من يفترضون الأثير افتراضا مزعوما ، ويربطون به التعليلات الطبيعية قولوا إنه في غاية اللطافة والبساطة ، ولكن ما هي حقيقته ؟ هل هو مادي ؟ ألستم تزعمون أن المادة من نتائج زوابعه أو تكاثفه ؟ .
قد أذعنتم لكثير من الحقائق أن لا تكون مادية ، ولا يظهر لعالم الماديات والحواس إلا أعمالها ، فما ذا يصدكم عن الاذعان بذلك لواجب الوجود ؟ أم تريدون أن نتقهقر في التعليل إلى ما لا يمكن أن يكون واجب الوجود . أليس من شرف الإنسانية أن لا تتلون في أفكارها ؟ .
أليس من شرف العلم أن يجري في نهج مستقيم عادل ؟ ألا تنظرون إلى غفلات الأهواء ؟ هذه الغفلات والطفرات التي يسمونها شجاعة أدبية ، انظروا إليها كيف فعلت أفاعيلها .
كل ناظر إلى هذا الكون يراه في جميع عوالمه وأنواعه وأطواره وأدواره ومواليده ، منتظما على نظام فائق متناسب ، وحكمة باهرة وغايات كبيرة شريفة ، وكل جزء منه صغيرا كان أو كبيرا يراه مسخرا للغايات الجليلة ، معدا للفوائد الكبيرة ، مستعملا في الآثار الباهرة ، جاريا على حكمة فائقة .
وكلما أمعن النظر وأحسن الجد تجلت له حسب استعداده من الغايات والحكم ما لم يكن يخطر على باله ، وها هو العلم قد صار يكشف كل يوم عن أسرار وغايات لم تكن في الخيال . أسرار وغايات يرتاح لها الشعور ويعظمها العلم ويستزيد منها العالم المجد الحر .
ألا وإن الوجدان يحكم بأوليات حكومته ، وبديهيات قضائه ، أن الموجد لأمثال هذه الأمور التي تهتف بغاياتها ، لا بد من أن يكون عالما بتلك الغايات ، قد أوجد موجوداته لأعمال غاياتها ونتائج فوائدها التي نعرف منها ما لا يحصى ، ويكشف العلم في كل حين عما يبهر العقول بحكمته وعظيم فوائده .
يا أصحابنا هذه القطع الصوانية التي وجدها الحفريون في جوف الأرض ، على هيئة فأس ومنشار وسنان ، كيف حكم الوجدان من أهل العلم وسائر الناس ، بأنها صنعها البشر قبل ألوف من السنين لأجل غاياتها وفوائدها التي كانوا يتصورونها . وهذه
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 23
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٢٣