إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
« 1 » ، وقوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السّلام :
قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ
« 2 » .
ويظهر من ذلك أولا : أن هذا العلم يخالف سائر العلوم في أن أثره العلمي وهو صرف الإنسان عما لا ينبغي إلى ما ينبغي قطعي غير متخلف دائما بخلاف سائر العلوم فإن الصرف فيها أكثري غير دائم ، قال تعالى :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ
« 3 » وقال :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ
« 4 » ، وقال :
فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ
« 5 » .
ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى :
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ،
وذلك أن هؤلاء المخلصين من الأنبياء والأئمة عليهم السّلام قد بيّنوا لنا جمل المعارف المتعلقة بأسمائه تعالى وصفاته من طريق السمع ، وقد حصلنا العلم به من طريق البرهان أيضا ، والآية مع ذلك تنزهه تعالى عن ما نصفه به دون ما يصفه به أولئك المخلصون فليس إلّا أن العلم غير العلم وإن كان متعلق العلمين واحدا من وجه .
وثانيا : أن هذا العلم أعني ملكة العصمة لا يغير الطبيعة الإنسانية المختارة في أفعالها الإرادية ولا يخرجها إلى ساحة الإجبار والاضطرار كيف ؟ والعلم من مبادئ الاختيار ، ومجرد قوة العلم لا يوجب إلّا قوة الإرادة كطالب السلامة إذا أيقن بكون مانع ما سمّا قاتلا من حينه فإنه يمتنع باختياره من شربه قطعا وإنما يضطر الفاعل ويجبر إذا أخرج من يجبره أحد طرفي الفعل والترك من الإمكان إلى الامتناع .
ويشهد على ذلك قوله :
وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذلِكَ
هامش
( 1 ) سورة النساء : 113 .
( 2 ) سورة يوسف : 33 .
( 3 ) سورة النمل : 14 .
( 4 ) سورة الجاثية : 17 .
( 5 ) سورة الجاثية : 23 .