يحمي حماي ، يا أبتاه ! انظر إلى رؤوسنا المكشوفة ، وإلى أكبادنا الملهوفة ، وإلى عمّتي المضروبة ، وإلى أمّي المسحوبة » .
قال : فذرفت عند ندبتها العيون ، فأتاهم زجر وقال : إنّ الأمير نادى مناديه بالرحيل ، فهلمّوا واركبوا ، فأتت البنت إليه وقالت : يا هذا ! سألتك بالله وجدّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنتم اليوم تقيمون أو ترحلون ؟
قال : بل راحلون .
قالت : يا هذا ! إذا عزمتم على الرحيل فسيروا بهذه النّسوة واتركوني عند والدي ، فإنّي صغيرة السن ولا أستطيع الركوب ، فاتركوني عند والدي أبكي عليه ، فإذا متّ عنده سقط عنكم ذمامي ودمي .
فما كان من ذلك الجافي إلّا أن دفعها عنه وأبعدها عنه ، فلاذت الصغيرة بأبيها واستجارت به ، فأتى إليها وجذبها من عند أبيها .
فقالت له : يا هذا ! إنّ لي أخا صغيرا فدعني أودّعه » .
ثمّ اتجهت نحو أخيها تعدو نحوه ، فلمّا أبصرت به انحنت عليه تلثمه وتقبّله ، ثم جلست وتحسّرت ، ورفعت جسد أخيها الصغير ووضعته في حجرها ، ثم جعلت فمها على نحره الشريف وأخذت تلثمه وهي تقول :
« أخي يا أخي ! لو خيّروني بين المقام عندك أو الرّحيل عنك ، لاخترت المقام عندك ، ولو أنّ السّباع تأكل لحمي وتشرب دمي ، ولكنّ الأمر ليس بيدي وإنّما أجبرونا على فراقك وهجرك ، فها أنا راحلة عنك ، غير جافية لك ، وهذه نياق الرحيل تتجاذبنا على المسير ، قد أتونا بها مهزولة ، لا موطأة ولا مرحولة ، وناقتي يا أخي مع هزلها ، صعبة الانقياد ، فلا أدري أين يريد بنا أهل العناد ، فاقرأ جدّي عليّ المرتضى
موسوعة الكلمة — صفحة 58
مساهمون: السيد حسن الحسيني الشيرازي
ص٥٨