وعندئذ ، تبدأ الغرائز بالخروج من الأطر التي يرسمها لها العقل ، وتعمل لتبرير هذا الخروج ، وإسباغ الشرعية عليه ، بسنّ القوانين التي تصدر لتبريرها أكثر مما تعمل لتحديدها ، وما أسهل إسباغ الشرعية على نزوات الغرائز ، طالما القوانين تصدر عن مجموعة من نفس البشر الذي أطلق غرائزه ، فلا يبقى شيء من المعاصي إلا ويبرره القانون بشكل من الأشكال ، وإذا كانت المعاصي كلها شذوذا ، فالمجتمع الذي ينخر فيه الشذوذ لا بد أن ينتهي بالانهيار .
ولنأخذ مثلا لذلك ، غريزة حب السلطة والاستعلاء ، هذه غريزة كبحها العقل القرآني بإعلان غلق أبواب السماء في وجه من يمارسها :
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
« 1 » . ومعلوم أن هذه الآية لا تلغي هذه الغريزة في المجتمع ، ولكن شتان بين أن تمارس علنا ، وبين أن تموه في أهداف مشروعة ، حذرا من أن يكتشفها المجتمع ، فتأتي النتائج عكسية .
ثم جاءت وبرزت هذه الغريزة في أساليب الاعتراف بحب الاستعلاء الثورية والانتخابية ، والحزبية ، وغيرها . فانطلق أصحاب هذه الغريزة لممارستها بلا قناع ، وإذا كانت هذه الغريزة لا تقف عند حدّ ، وإذا كان أصحابها كثيرون ، وإذا كانت المجالات التي يمكن التزاحم عليها محدودة ، فمن الطبيعي أن ينقلب مفهوم ( تعاون البقاء ) الإنساني النبيل إلى ( تنازع البقاء ) الوحشي الرخيص .
وبمقتضى مشروعية ( تنازع البقاء ) يسعى الأفراد من داخل الأسرة الواحدة ، إلى تحشيد ما يمكن تحشيده من أفراد وأشياء ، لممارسة ( تنازع البقاء ) على أي شيء يمكن التنافس عليه .
هامش
( 1 ) سورة القصص : الآية 83 .