الاعتداء ، وإنما قضى على الاعتداء ، فلم يضرب به أحدا إلا دخل النار وعابه الناس . فاستأصل أوبئة الفوضى وأبرأ الجزيرة من جنونها ، ولم يبلغ عدد ضحاياه سبعمائة شخص ، في جميع حروبه وغزواته وسراياه ، فاستطاع ذلك السيف ذاته وبتلك الدماء ذاتها ، أن يكتب على لوحة الجزيرة لا فتة تشخص أبصار كل من حمل السلاح إلى الأبد :
أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً
« 1 » ،
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً
« 2 » .
فكان قرآنه مطمحا لكل قرآن ، وكان سيفه تجربة لإلغاء السيف ، فكان انتصاره الذي فاق كل الاحتمالات والتوقعات وبزّ كل التنبؤات ، فإذا بشعب الجزيرة الفوضوي ، يمتد برسالته في كل اتجاه ، لينشر الإيمان والحضارة والخير ، وليؤسس دولة ذات سيادة عالمية ، لم تظهر بمواصفاتها دولة لا من قبلها ولا من بعدها حتى الآن .
وهكذا انتصر داود بشكل وانتصر سليمان بشكل ، وانتصر يوسف بشكل . وهكذا غيرهم . . وغيرهم من سائر رسل اللّه وأنبيائه الكرام .
هذا فيمن نعرف من رسل اللّه وأوضاع مجتمعاتهم والوسائل التي انتصروا بها ، وهكذا فيمن لم نعرف من رسول اللّه وأوضاع مجتمعاتهم والوسائل التي انتصروا بها ، ولكن مجمل ما نعرفه عنهم أنهم انتصروا جميعا ، وانتصارهم يكفي للدلالة على أنهم كانوا أقوى من مجتمعاتهم ،
هامش
( 1 ) سورة المائدة : الآية 32 .
( 2 ) سورة النساء : الآية 93 .