فإن قال قائل : فلم يعلم اللّه ما يكون من العباد حتّى اختبرهم ؟
قلنا : بلى قد علم ما يكون منهم قبل كونه ، وذلك قوله :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ
« 1 » وإنّما اختبرهم ليعلمهم عدله ولا يعذّبهم إلّا بحجّة بعد الفعل ، وقد أخبر بقوله :
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا
« 2 » .
وقوله :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
« 3 » .
وقوله :
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
« 4 » فالاختبار من اللّه بالاستطاعة التي ملّكها عبده وهو القول بين الجبر والتفويض ، وبهذا نطق القرآن وجرت الأخبار عن الأئمّة من آل الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
فإن قالوا : ما الحجّة في قول اللّه :
يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ *
وما أشبهها ؟
قيل : مجاز هذه الآيات كلّها على معنيين :
أمّا أحدهما : فإخبار عن قدرته أي أنّه قادر على هداية من يشاء وضلال من يشاء ، وإذا أجبرهم بقدرته على أحدهما لم يجب لهم ثواب ولا عليهم عقاب على نحو ما شرحناه في الكتاب .
والمعنى الآخر : إنّ الهداية منه تعريفه كقوله :
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ
- أي : عرّفناهم -
فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
« 5 » فلو أجبرهم على الهدى لم
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : الآية 28 .
( 2 ) سورة طه : الآية 134 .
( 3 ) سورة الإسراء : الآية 15 .
( 4 ) سورة النساء : الآية 165 .
( 5 ) سورة فصلت : الآية 17 .