فيها وربما عثر بعضهم بالشيء الذي قد وضع موضعه ، وأعدّ للحاجة إليه ، وهو جاهل للمعنى فيه ولما أعدّ ولماذا جعل كذلك ؟ فتذمّر وتسخّط وذمّ الدار وبانيها .
فهذه حال هذا الصنف في إنكارهم ما أنكروا من أمر الخلقة وثبات الصنعة ، فإنهم لما غربت « 1 » أذهانهم عن معرفة الأسباب والعلل في الأشياء ، صاروا يجولون في هذا العالم حيارى ، فلا يفهمون ما هو عليه من إتقان خلقته ، وحسن صنعته ، وصواب هيئته ، وربما وقف بعضهم على الشيء يجهل سببه ، والأرب « 2 » فيه ، فيسرع إلى ذمّه ووصفه بالإحالة والخطأ ، كالذي أقدمت عليه المنانية « 3 » الكفرة ، وجاهرت به الملحدة المارقة الفجرة ، وأشباههم من أهل الضلال المعلّلين أنفسهم بالمحال « 4 » فيحقّ على من أنعم اللّه عليه بمعرفته ، وهداه لدينه ، ووفّقه لتأمّل التدبير في صنعة الخلائق ، والوقوف على ما خلقوا له من لطيف التدبير وصواب التقدير ، بالدلالة القائمة الدالّة على صانعها ، أن يكثر حمد اللّه مولاه على ذلك ، ويرغب إليه في الثبات عليه والزيادة منه فإنه جلّ اسمه يقول :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ .
« 5 »
وحدة الكون دليل التوحيد
يا مفضّل أول العبر والدلالة على الباري جلّ قدسه ، تهيئة هذا
هامش
( 1 ) أي : غابت .
( 2 ) الأرب : بالفتح - المهارة أو الحاجة .
( 3 ) أو المانوية : هم أصحاب الحكيم الفارسي ماني ابن فاتك الذي ظهر في أيام سابور « ثاني ملوك الدولة الساسانية » ومذهبه مزيج من المجوسيّة والنصرانيّة .
( 4 ) أي الشاغلين أنفسهم عن طاعة ربّهم بأمور يحكم العقل السليم باستحالتها .
( 5 ) سورة إبراهيم ، الآية : 7 .