قلت : فأوّل ما أبدأ به أنك تعلم أنه ربما ذهب الحواس ، أو بعضها ودبّر القلب الأشياء التي فيها المضرّة والمنفعة من الأمور العلانية والخفية فأمر بها ونهى فنفذ فيها أمره وصحّ فيها قضاؤه .
قال : إنّك تقول في هذا قولا يشبه الحجّة ، ولكنّي أحب أن توضحه لي غير هذا الإيضاح .
قلت : ألست تعلم أن القلب يبقى بعد ذهاب الحواس ؟
قال : نعم ، ولكن يبقى بغير دليل على الأشياء التي تدلّ عليها الحواس .
قلت : أفلست تعلم أن الطفل تضعه أمه مضغة ليس تدلّه الحواس على شيء يسمع ولا يبصر ، ولا يذاق ولا يلمس ولا يشم ؟
قال : بلى .
قلت : فأيّة الحواس دلّته على طلب اللبن إذا جاع ، والضحك بعد البكاء إذا روي من اللبن ؟ وأي حواس سباع الطير ولا قط الحبّ منها دلّها على أن تلقي بين أفراخها اللحم والحبّ فتهوى سباعها إلى اللحم ، والآخرون إلى الحب ؟ وأخبرني عن فراخ طير الماء ألست تعلم أن فراخ طير الماء إذا طرحت فيه سبحت ، وإذا طرحت فيه فراخ طير البرّ غرقت والحواس واحدة ، فكيف انتفع بالحواس طير الماء وأعانته على السباحة ولم تنتفع طير البرّ في الماء بحواسّها ؟ وما بال طير البرّ إذا غمستها في الماء ساعة ماتت وإذا أمسكت طير الماء عن الماء ساعة ماتت ؟ فلا أرى الحواس في هذا إلّا منكسرة عليك ، ولا ينبغي ذلك أن يكون إلّا من مدبّر حكيم جعل للماء خلقا وللبرّ خلقا .
موسوعة الكلمة — صفحة 217
مساهمون: السيد حسن الحسيني الشيرازي
ص٢١٧