ما أنت فيه من الجهل والغرة ، وما الناس فيه من البلاء والفتنة ، قد ابتليتهم وفتنتهم بالشغل عن مكاسبهم مما رأوا ، فتاقت نفوسهم إلى أن يبلغوا من العلم ما بلغت ، أو يدركوا به مثل الذي أدركت ، فوقعوا منك في بحر لا يدرك عمقه ، وفي بلاء لا يقدر قدره ، فالله لنا ولك وهو المستعان .
أما بعد فأعرض عن كل ما أنت فيه حتى تلحق بالصالحين الذين دفنوا في أسمالهم ، لاصقة بطونهم بظهورهم ، ليس بينهم وبين اللّه حجاب ، ولا تفتنهم الدنيا ولا يفتنون بها ، رغبوا فطلبوا فما لبثوا أن لحقوا ، فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا المبلغ مع كبر سنك ، ورسوخ علمك ، وحضور أجلك ، فكيف يسلم الحدث في سنه ، الجاهل في علمه ، المأفون في رأيه ، المدخول في عقله ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، على من المعول ؟ وعند من المستعتب ؟ نشكو إلى اللّه بثنا وما نرى فيك ، ونحتسب عند اللّه مصيبتنا بك .
فانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرا وكبيرا ، وكيف إعظامك لمن جعلك بدينه في الناس جميلا ، وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته في الناس ستيرا ، وكيف قربك أو بعدك ممن أمرك أن تكون منه قريبا ذليلا ، ما لك لا تنتبه من نعستك ، وتستقيل من عثرتك ، فتقول :
واللّه ما قمت لله مقاما واحدا أحييت به له دينا ، أو أمت له فيه باطلا ، فهذا شكرك من استحملك ، ما أخوفني أن تكون كمن قال اللّه تعالى في كتابه :
أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا
« 1 » ، استحملك كتابه ، واستودعك علمه ، فأضعتها فنحمد اللّه الذي عافانا مما ابتلاك به والسّلام .
هامش
( 1 ) سورة مريم ، الآية : 59 .