تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 548

مساهمون:

ص٥٤٨
الإلهية أن تثبت قانون الفطرة ، وأن تمنحه سندا متينا ، وذلك بعد أن تستخلصه بكل نقائه ، وطهارته . ويجب أن يبدأ مشروع هذا التّطهير المسبق - بداهة - بمنع ضلالات العقل المزعوم قبل وقوعها ، وبإيقاظ الضّمير النّائم تحت أنقاض الأوهام . يقول تقي الدّين ابن تيمية : « إنّ الرّسل إنّما بعثت بتكميل الفطرة ، لا بتغيير الفطرة » « 1 » ، وانطلاقا من هذه الفكرة يمكن القول بأنّ الأطر الّتي سوف تثبتها هذه الشّريعة الإيجابية حتّى تتيح للضمير الفردي أن يمارس حقّه بطريقة حرّة ، ومشروعة - هذه الأطر سوف تكون منطلقا ، لا لما هو من باب الحلال ، والحرام فحسب ، بل وفي الوقت نفسه ، لما هو معقول حقا ، وما ليس كذلك . فما يضاد النّقل سيكون كذلك مضادا للعقل ، وكما قال ابن تيمية : « وكلّ ضلالة فهي مخالفة للعقل ، كما هي مخالفة للشرع » « 2 » . وعلى هذا النّحو ، فإنّ هذه الشّرعية الدّينية لم تأت لتحل محل الأخلاقية ، ولا لتضادها ، بل هي تفترضها ، وترجع إليها دائما . ولقد رأينا في الواقع مدى العناية الّتي يلتزم بها القرآن ، وهو يصوغ أوامره ، فهو يحرص على مطابقتها للعقل ، وللحكمة ، وللحقيقة ، وللعدالة ، وللاستقامة ، إلى جانب قيم أخرى ، يتكون منها بناء الضّمير الأخلاقي ذاته .
هامش
( 1 ) انظر ، منهاج السّنّة ، لابن تيمية : 1 / 82 ، هكذا وردت فيه ، وذكر المؤلف أنّ النّص : ( لتكميل الفطرة لا لتغيير الفطرة ) باللام بدل الباء ، وهو خطأ . « المعرب » . ( 2 ) انظر ، منهاج السّنّة : 1 / 81 ، وبدء العبارة ( وفرعوا في صفات اللّه ، وأفعاله ما هو بدعة مخالفة للشرع ، وكلّ بدعة ضلالة . . . ) « المعرب » .