عن المشفوع له متوسلا ببعض فضائله ، وهو توسل ينبغي أن يطابق الواقع ، فها نحن أولاء نرى أنّ دور الشّفيع لا يعدو أن يكون دور شاهد نفي ، أو مدره موثوق به ، مهمة إكمال جهاز العدالة المعقد ، وعمل الشّفيع في هذه المهمة الجليلة أن يعلن الصّفات ، والحسنات الصّالحة الّتي تعوض سيئات المؤمنين ، وأن يبرر العفو عنهم ، أو استحقاقهم للمثوبة « 1 » .
وهكذا نرى أنّ الشّفاعة بهذا المعنى ، تسبغ شرفا مزدوجا على المدافع والمدافع عنه . ولكن هيهات أن تكون القضية دائما رابحة . ذلك أنّ أحاديث الشّفاعة نفسها تذكر لنا حالات أخطأ فيها الشّفيع في صحة الوقائع المروية ، وحينئذ ينسحب الدّفاع ، ويتنازل عن مسعاه بمجرد علمه بالحقيقة .
هامش
( 1 ) وهكذا نرى أنّ أحاديث الشّفاعة تضمنت خمسة أنواع من الشّفاعة كما أشرنا إليها سابقا ، وهي :
« 1 » الشّفاعة العامة الّتي يرغب فيها النّاس إلى الأنبياء ، نبيا بعد نبي حتّى يريحهم اللّه من مقامهم .
« 2 » الشّفاعة في فتح الجنة لأهلها .
« 3 » الشّفاعة في دخول من لا حساب عليهم الجنة .
« 4 » الشّفاعة في إخراج قوم من أهل التّوحيد من النّار .
« 5 » الشّفاعة في تخفيف العذاب عن بعض أهل النّار .
ويبقى نوعان يذكرهما كثير من النّاس :
« آ » الشّفاعة في قوم استوجبوا النّار فيشفع فيهم أن لا يدخلوها . وهذا النّوع لم أقف إلى الآن على حديث يدل عليه ، وأكثر الأحاديث صريحة في أنّ الشّفاعة في أهل التّوحيد من أرباب الكبائر ، إنّما تكون بعد دخولهم النّار ، وأمّا أن يشفع فيهم قبل الدّخول فلا يدخلون ، فلم أظفر فيه بنصّ .
« ب » شفاعته صلّى اللّه عليه وآله لقوم من المؤمنين في زيادة الثّواب ، ورفعة الدّرجات ، وهذا قد يستدل عليه بدعاء النّبي صلّى اللّه عليه وآله لأبي سلمة وقوله صلّى اللّه عليه وآله : « اللّهمّ أغفر لأبي سلمة ، وأرفع درجته في المهديين » .
انظر ، السّيرة النّبوية لابن هشام : 2 / 59 ، دار إحياء التّراث العربي بيروت ، تهذيب سنن أبي داود : باب الشّفاعة ، ح 4730 .