الكتاب الأول في مباحث نفسية لا بد منها في الأخلاق
أسس السلوك
كل عمل إرادي يسمى « سلوكا » كقول الصدق والكذب والكرم والبخل .
ولسلوك الإنسان أسس نفسية يصدر عنها كالغريزة والعادة ، ولا تقع حواسنا على هذه الأسس ، ولكن على آثارها وهي السلوك ، فنحن لا نحس بالغريزة مثلا ، ولكن نحس بما يصدر عنها .
فكل سلوك لا بد أن ينبع من مصدر نفسي ، وليس يقنع الباحث في الأخلاق بالنظر إلى ظواهر الأعمال كما لا يقنع الجغرافي بالنظر إلى ظواهر الجو ، بل لا يقنع إلا إذا عرف عللها وأسبابها . وبمعرفة أسس السلوك نستطيع أن نعالجه إن كان سيئا ونشجعه إن كان حسنا ، فلو أنك قلت للكاذب : لا تكذب وكررت ذلك على سمعه مرارا ، ولكنك تركت حالته النفسية التي يصدر عنها الكذب كما هي لم يكن لقولك أثر ، ولكن لو بحثت عن حالته النفسية وعرفت السبب الذي من أجله يكذب ثم عالجت ذلك بما يناسب كان هذا علاجا ناجحا .
أثبت العلم أن أخلاق الإنسان ليست حظا يمنح حسب المصادفة والاتفاق ، ولكنها تصلح وتفسد وترقى وتنحط تبعا لقوانين ثابتة لا تتخلف ، وإنا إذا عرفنا هذه القوانين وعملنا على وفقها استطعنا أن نصلح أخلاق الإنسان بقدر ما تسمح طبيعته .
وهذه القوانين - سواء منها ما يتعلق بنفس الإنسان أو ما يتعلق بالبيئة التي تحيط بها - معقدة مركبة ، لم تستكشف استكشافا تاما حتى الآن . وهذا لا يمنعنا من السير على ما علم منها والجد في تعرف ما لم يكشف .