وقال حكيم : من خاف شيئا هرب منه ، ومن خاف اللّه هرب إليه .
وقال آخر : من أعظم الاغترار التمادي في الذنوب على رجاء العفو من غير ندامة ، وتوقع القرب من اللّه عز وجل بغير طاعة ، وانتظار زرع الجنة ببذر النار ، وطلب دار المطيعين بالمعاصي ، وانتظار الجزاء بغير عمل .
واعلم أن الرجاء يورث طول المجاهدة بالأعمال والمواظبة على الطاعات في جميع الأحوال ، ومن آثاره التلذذ بدوام الإقبال على اللّه والتنعم بمناجاته والتلطّف في التملق له ، فان هذه الأحوال تظهر على من يرجو مثله من العبيد فكيف لا تظهر في حق اللّه . ومن ذلك يعلم أن جلّ رجاءنا بل كله حمق وغرور ، فالمستعان باللّه ولا حول ولا قوة الا باللّه .
( الفصل الثاني ) في فضل الرجاء وترجيحه على الخوف
اعلم أن العمل على الرجاء أعلى منه على الخوف ، لأن أقرب العباد إلى اللّه أحبهم إليه ، والحب يغلب بالرجاء . واعتبر ذلك بملكين يخدم أحدهما خوفا من عقابه والآخر رجاء لثوابه ، ولذلك ورد في الرجاء وحسن الظن رغائب ، ولا سيما وقت الموت ، قال اللّه تعالى :
« قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللّه ان اللّه يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم »
وقال تعالى :
« ان ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم »
.
وعيّر اللّه قوما فقال :
« وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم »
وقال :
« وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا »
.
وفي أخبار يعقوب : ان اللّه تعالى أوحى إليه : أتدري لم فرقت بينك وبين يوسف ؟ لقولك « اني
أخاف ان يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون »
لم خفت الذئب ولم ترجني ؟ ولم نظرت إلى غفلة اخوته ولم تنظر إلى حفظي له ؟