تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء — صفحة 618

مساهمون:

ص٦١٨
الأشياء إنّما يكون بتفاوت أسبابها وليس حظّ الأكثر من المعرفة إلّا تلفيق بعض ما قرعه « 1 » سمعهم من الأسماء والصفات وحفظه فربّما تخيّلوا لها ما يتعالى عنه الربّ تعالى وهؤلاء الضالّون ، وربّما آمنوا بها إيمان تسليم من دون تصوّر معنى صحيح أو فاسد فاشتغلوا بالعمل ولم يبحثوا عن المعنى وهؤلاء الناجون السالمون ، والعارفون بالحقائق هم المقرّبون ، فالفرق في المعرفة الحاصلة لهم بالإجمال والتفصيل ، فالعامي ومن يتلوه يعلم حسن صنع اللّه وإحكامه وإتقانه إجمالا ، ويعتقد ذلك ولأجله يحبّه أيضا ، والبصير العارف يطالع تفصيل صنع اللّه فيها حتّى يرى في البعوض مثلا من العجائب ما يبهر به عقله ويتحيّر فيه لبّه وتزداد بذلك لا محالة عظمة اللّه وجلاله في قلبه ، ثم تزداد بسبب ذلك حبّه له . وقد عرفت أنّ هذا الاطّلاع التفصيلي بحر لا ساحل له ، فلا جرم يتفاوت بتفاوت مراتب العلم والمعرفة مراتب المحبّة لا أصلها . ومن جملة أسباب اختلاف مراتب الحبّ اختلاف أسبابه المشار إليها في صدر المبحث ، فإنّ حبّه تعالى لأجل نعمته وإحسانه ربّما يتغيّر بتغيّر الإحسان فلا يتساوى حبّه في حالتي الشدّة والرخاء والسرّاء والضرّاء . وأمّا من يحبّه لذاته تعالى ولكونه مستحقّا للحبّ بسبب كماله وجماله وعظمته فلا يتفاوت أصلا ، وقس على ذلك سائر الأسباب . والتفاوت في المحبّة سبب للتفاوت في السعادة الأخروية .
وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا .
« 2 » تلميع من الضروريات الأوليّة كون الباري تعالى من أجلى الموجودات
هامش
( 1 ) كذا في النسخ ، والظاهر : « إلّا تلقّن بعض ما قرع سمعهم » كما يظهر من المحجّة البيضاء : 8 / 50 . ( 2 ) الإسراء : 21 .