تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
ويحزن عن كلّ نعمة ملهية له عن ذكر اللّه وصادّة له عن سبيله ، ولا يدرك هذه المرتبة من انحصرت لديه اللذّات في الحسيّات وخلا قلبه عن اللذّات العقلية ، فكم من فرق بين من يريد المنعم للنعمة وعكسه . وأمّا الثمرة المترتّبة عليها من العمل فهي إما بالقلب بإضمار الخير للمسلمين أو باللسان بالاظهار بالألفاظ الدالّة عليه أو بالجوارح باستعمال نعم اللّه تعالى في طاعته والتوقّي من الاستعانة على معصيته ، فشكر العينين ستر كلّ عيب يراه من مسلم ، والسمع ستر كلّ عيب مسموع ، واللسان إظهار الرضا من اللّه وهكذا ، فالمراد من خلق الدنيا وأسبابها الاستعانة على الوصول إلى اللّه ولا وصول إلّا بالمحبّة له والانس به وبغض الدنيا والتجافي عن لذّاتها وعلائقها ، ولا انس إلّا بدوام الذكر ، ولا محبّة إلّا بالمعرفة الحاصلة من دوام الفكر ، ولا يمكن الذكر والفكر إلّا بواسطة البدن ولا بقاء له إلّا بالأرض والماء والهواء والنار ، ولا يتمّ ذلك إلّا بخلق السماء والأرض وما بينهما وكلّ ذلك للبدن وهو مطيّة للنفس المطمئنّة الراجعة إلى اللّه فكلّ من استعمل شيئا في غير طاعة اللّه فقد كفر بنعمة اللّه في جميع الأسباب التي لا بدّ منها لإقدامه على تلك المعصية . بحث وتحقيق فإن قيل : كيف يتمّ الشكر على النعمة مع أنّه إنما يتمّ في حقّ منعم ذي حظّ من الشكر وهو محال في حقّه تعالى لتنزّهه من الحظوظ والأغراض ، ولأنّ جميع ما نتعاطاه باختيارنا نعمة أخرى مضافة إلى نعمه ، إذ جوارحنا وقدرتنا واختيارنا وسائر أسباب حركاتنا من اللّه تعالى فكيف نشكر نعمته بنعمته ؟ قلت : قد خطر هذا الخاطر لموسى وداود عليهما السّلام وناجيا به ربّهما فأوحى إليهما : « إذا عرفت هذا المعنى فقد شكرتني » . « 1 »
هامش
( 1 ) المحجّة البيضاء : 7 / 151 - 152 .
كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء — صفحة 503 | محسن الأسدي / محمد حسن بن معصوم القزويني / محسن الأحمدي