تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩
ذوي البصائر والأفهام ، إلّا من شاهد بنور اللّه كون الكاتب مسخّرا كالقلم وإن غلط من لم يشاهده لعجز بصره عن إدراك المسخّر [ الحقيقي له ، أي جبّار السماوات والأرضين ] « 1 » كالنملة التي تدبّ على الكاغذ ، فترى رأس القلم يسوّده وضيق حدقتها مانع عن وصول بصرها إلى أصابع الكاتب ، فضلا عن نفسه ، وأرباب البصائر ينظرون بنور اللّه ويسمعون من كلّ ذرّة في الأرض والسماء بالنطق الذي أنطق اللّه به كلّ شيء حتّى سمعوا تقديسه وتسبيحه وشهادته على نفسه بالعجز بلسان فصيح ليس من لحم ودم وإنّما لم يسمعه الّذين هم عن السمع لمعزولون . وهذا النطق مع أرباب القلوب يسمّى مناجاة السرّ ، وهو ممّا لا ينحصر ، لأنّه كلام مستمدّ من بحر كلمات اللّه الّتي ينفد البحر قبل نفادها ، ولو جيء بمثله مددا ، وهي من الأسرار التي قبورها صدور الأحرار ، فلا يحكون بها لغيرهم ، لأنّ إفشاءها لؤم ، وهل رأيت قطّ أمينا على أسرار الملك نوجي بخفاياه فنادى بها على الملأ من الناس ولو جاز ذلك لما وقع النهي عنه ، ولما قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا » « 2 » بل ذكر لهم حتى يبكوا ولا يضحكوا . وهذا الاستماع من ذرّات عالم الملك والملكوت لا يحصل إلّا بالإيمان بعالم الملكوت والتمكّن من المسافرة إليه واستماع الكلام من أهله ، وفيه جبال شاهقة وبحار مغرقة ، وفيافي تائهة ، ومنازل وعرة ، فمن كان أجنبيّا عنه ولم يكن مستعدّا للوصول إليه لم يمكنه ذلك ، بل كان اللازم عليه الردّ إلى التوحيد الاعتقادي الحاصل في عالم الملك بالعلم به بالأدلّة الدالّة على وحدة الفاعل كقولك : المنزل يفسد بصاحبين والبلد يفسد بأميرين .
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا .
« 3 »
هامش
( 1 ) ساقط من « ج » . ( 2 ) المحجّة البيضاء : 1 / 269 . ( 3 ) الأنبياء : 22 .
كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء — صفحة 489 | محسن الأسدي / محمد حسن بن معصوم القزويني / محسن الأحمدي