تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء — صفحة 488

مساهمون:

ص٤٨٨
التوكّل والأوّل نفاق محض ، والثاني موجود في عموم المسلمين ، وقد أشرنا إلى ما به يقوى ويتأكّد ولا دخل له أيضا بالتوكّل إلّا قليل منه بعد تقوية كاملة . وأمّا الثالث فهو مبنى التوكّل ، وهو انكشاف أن لا فاعل إلّا اللّه وأنّ كلّ ما يطلق عليه اسم من الغنى والفقر والخلق والرزق والبسط والقبض والموت والحياة قد تفرّد المبدع الحقيقي بإبداعه واختراعه ، وبعد ذلك لا تنظر إلّا إليه ولا تخاف إلّا منه ، ولا تثق إلّا به ، حيث إنّ ما سواه مسخّرون تحت قدرته لا استقلال لهم بتحريك ذرّة . والمانع عن هذه المشاهدة أحد أمرين : أوّلها : الالتفات إلى الجمادات كالاعتماد على المطر في الزرع ، والغيم في الأمطار ، والبرد في الغيم ، والريح في سير السفينة ووصولها ونجاتها ،
فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ
« 1 » أي يقولون لولا استواء الريح لما نجونا هذا جهل وغرور عظيم من الشيطان الرجيم كالتفات من نجا من ضرب السيّاف لرقبته بتوقّيع الملك إلى قلم الكاتب ودواته وكاغذه دون الملك الآمر والكاتب الموقع ، ولو علم أنّه لا حكم للقلم وإنّما هو مسخّر في يده لم يلتفت إلّا إليه ، بل ربما أدهشه الفرح بذلك عن تصوّره القلم ونحوه ، وكلّ جماد وحيوان مسخّر تحت يد القدرة كذلك ، بل أعظم من ذلك . وثانيهما : وهو الخطر الأعظم الذي يغرّك به الشيطان بعد إياسه عن الأوّل الالتفات إلى اختيار العباد ، فيقول : كيف يكون الكلّ منه مع ما تشاهد من أنّ فلانا يعطي ويمنع ويضرب ويقتل فكيف لا ترجوه ولا تخاف منه وهو قادر عليك ، تشاهد ذلك بلا شكّ وريب ، فالقلم لا يلتفت لكونه مسخّرا ، لكنّ الكاتب هو المسخّر له فتزلّ عنده الأقدام وتدهش فيه عقول
هامش
( 1 ) العنكبوت : 65 .
كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء — صفحة 488 | محسن الأسدي / محمد حسن بن معصوم القزويني / محسن الأحمدي