تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
للشرّ والنقص له ولعباده . وفي دنياه أيضا لعدم انقطاع فيوضه تعالى بتمنّاه « 1 » فيتعذّب دائما بأشدّ الحسرة والألم مؤثرا لنفسه ما يريده لأعدائه من الحزن والغمّ والتعرّض للافتضاح دينا ودنيا من دون فائدة ينالها . ولا يضرّ بدين المحسود ودنياه ، إذ لا ينقطع عنه ما قدّر له من أياديه تعالى ، ولا ينفع تدبيراته في دفعها ، كما تشهد التجربة به ، ولو زالت النعم بالحسد لم يتنعّم من الخلق أحد ، إذ لا أحد إلّا وله حاسد يحسد ، ولضرّه وشرّه يقصد ، بل ينفع دينه بتخفيف أوزاره ومعاصيه ، وتثقيل حسناته بما يفعله الحاسد به من الغشّ والإهانة والبهتان والغيبة ، فيزيد بحسده نقمة أخرويّة إلى دنيوية ، كما يزداد الحاسد بحسده نعمة أخروية إلى دنيوية ، ودنياه أيضا حيث إن أهمّ الأغراض الدنيوية مساءة الأعداء وابتلاؤهم بأنواع الهمّ والغمّ والبلاء ، وأيّ بلاء أعظم ممّا نال حاسده من الغموم والهموم وتجدّدها بتجدّد نعمة عليه من نعم اللّه تعالى ، بل ربما صار الحسد باعثا لاشتهار المحسود وانتشار فضله ، كما قيل :
وإذا أراد اللّه نشر فضيلة * طويت أتاح لها لسان حسوده
فيكون الحاسد عدوّا لنفسه صديقا لعدوّه ، ولذا قيل : ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد ، إنّه يرى النعمة عليك نقمة عليه . واعلم أنّ الحسد إنّما يتصوّر في الماديات الغير القابلة للاشتراك والعموم ، بحيث لو حظي بها واحد حرم الآخر عنها ، فحاطبها لا يريد ضرّه بالذات ، وإنما يلزمه بواسطة اختلاف المقاصد ، فأمّا الفضائل النفسية والمعارف الحقّة والمطالب العلمية واللذّات الأخروية ، فهي لكونها عن المادة مبرّاة وعن سمة النقص والزوال معرّاة تزيد بكثرة الإفاضة ، وتعمّ نفعها ، فلا يتصوّر فيها الحسد إلّا إذا استخدمت للدّنيا وجعلت من وسائلها كما في علمائها ، فيكون التحاسد بينهم فيما جعلوه غاية لها لا فيها نفسها ، إذ
هامش
( 1 ) كذا ، والصحيح : بتمنّيه .