عزّ وجل في الشكر من غير استثناء
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
« 1 » .
ومن قوت القلوب : وإنّ من لم يتملّك ما ملك لا يضرّه الغنى بعد أن لا ينظر إلى نفسه فيه كما لا يشهده له / 86 ب / بل يجده في خزانة اللّه التي هي يده وتمليكه ، ويكون موقوفا فيها إلى تنفيذ حكم اللّه من وضعه في مواضعه وإخراجه إلى أهله فهذا مستودع يؤدّي الأمانة ووكيل يطيع « 2 » الموكّل به فمقام هذا من التوحيد وشهادته بعين اليقين يزيد على مقامات الزّاهدين ، ومحنة هذا المقام الذي تصح به هذه العين هو استواء وجود المال وعدمه من حيث استواء قلبه لمثبته عن التقليب للحيلولة بين الهوى والتحبيب ، بأن جعله سليما ممّا سواه إنما هو محكوم عليه يجرى بحكم حاكم لا بهوى نفسه ، وهو قوله تعالى
وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ
« 3 » وهذا تحقّق وصف العبودية محضا للمعبود صرفا ، فحال هذا العبد في مرتبته عند اللّه بحقيّة المعرفة به والقيام بشهادة قيّوميّته أعلى من مقامات الزاهدين في الدّنيا الدنيّة ، وفوق درجات الرّاغبين في الآخرة العليّة .
وقال صاحب نزهة المجالس « 4 » : فهمت من قوله تعالى
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ
« 5 » أن الماء إذا لم يتغيّر له لون ولا ريح ولا طعم فهو طاهر وطهور ، كذلك الغنى بالمال إذا لم يتّصف بحرام وشبهة ولم يورث صاحبه اعجابا / 87 أ / وفخرا لا يضرّ من استغنى به .
[ قال حكيم : الحكمة في أنّ اللّه تعالى مثّل الدّنيا بالماء في كتبه المنزّلة ، لأن الماء ليس له قرار وكذلك الدّنيا ما لها قرار ، والآخرة هي دار القرار ، ولأن الماء قليله فيه الكفاية وكثيره يضرّ ، كذلك الدّنيا قليلها يكفي وكثيرها يطغي ولا يغني . وترك الكثير يورث القناعة ، ثم القربة ثم الولاية ثم الوصلة ثم الرؤية على بساط الإنابة ، ولأنّ الماء إذا امسكته يتغيّر ويصير بليّة ، وكذلك
هامش
( 1 ) سورة التوبة : آية ( 27 ) .
( 2 ) جاءت في داماد إبراهيم 946 : يضيع .
( 3 ) سورة الحديد : آية ( 7 ) .
( 4 ) عنوان الكتاب : نزهة المجالس ومنتخب النفائس عن اخبار الصالحين لعبد الرحمن بن عبد السلام الصفوي ( ت 894 ه / 1488 م ) ، كشف الظنون 1947 .
( 5 ) سورة إبراهيم : آية ( 7 ) .