وأن التوبة تردّ / 57 ب / من البلاء ما لا ترده السيوف ، وقد أمر به عمر رضي اللّه عنه وقال : انما يقاتلونكم بأعمالكم . وأن الحرب خدعة عند جميع العقلاء والاتساع فيها مما يرضى به الألبّا ، وليس شيء أنفع منها وأضعفها أبلغ من أشدّها ، ولكن كن من احتيالك على عدوّك أشد خوفا من احتيال عدوّك عليك فليلزمك التبصّر والاحتراس .
قيل في قوله تعالى :
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
« 1 » ، إن كان الماكر من أهله حاق به وعاد عليه ، وإن كان الممكور من أهله حاق به وجرى إليه ، يعنى مدار الحال على الاستيهال « 2 » . ملاك العقل الحيلة والتأنّي وهما قيّما الحزم ووكيلا الرّشد وزعيما الرأي وصديقا الفطنة وسفيرا التدبير وبهما يحصل السرور ، والحاجة تفتح أبواب الحيل .
الحيلة من فوائد الآراء المحكمة وهي حسنة ما لم يستباح بها مخطورا ، وربّما كانت الحيلة من القوّة أغلب ، وبها يصاد « 3 » الأسد الاعطب « 4 » ، أما إذا حلّ القضاء ونزل ، كان العطب في الحيل . وقد يغلب الضعيف بإقبال دولته كما يغلب القوىّ بفناء مدّته ، [ وقال حكيم : جسم الحرب الشجاعة ، وقلبها التدبير ، ولسانها المكيدة ، وجناحاها الطاعة ، وقائدها التوفيق « 5 » وسائقها النّصر ، والتفكر في العاقبة من امارات الجزع ، والعقل أصله التثبت وثمرته السلامة ، وكفى بالأجل حارسا . وإذا كان الموت بكلّ أحد نازلا فالطمأنينة إلى الدنيا حمق ] « 6 » .
وقال أبو النصر الفارابي : المجاهد الفاضل إذا خاطر بنفسه فليس يخاطر ، وعند نفسه أنّه لا يموت بفعله / 58 أ / ذلك ، ولا أيضا لا يبالي إن مات أو عاش فإنّ هذا تهور والآخر حمق ، بل يرى أنه عسى أن يتخلّص ولا يموت ولكن لا يجزع من الموت ولا يجزع إذا حلّ ، ولا يخاطر بنفسه وهو يعلم أو يظن أن الذي يلتمسه يناله بلا مخاطرة بل إنّما يخاطر بنفسه متى علم أنّ الذي يلتمسه يفوته ، ولا يناله إذا لم يخاطر ويرى أنّه إذا خاطر يناله أو يرى أنّه سيناله قومه لا محالة من فعله ذلك
هامش
( 1 ) سورة فاطر : آية ( 43 ) .
( 2 ) الاستيهال : الاستحقاق ، لسان العرب ( مادة : أهل ) .
( 3 ) هكذا وردت في جميع النسخ .
( 4 ) الاعطب : اللين ، الضعيف ، لسان العرب ( مادة : عطب ) .
( 5 ) جاءت في بشير بوبو : الرفق .
( 6 ) زيادة من داماد إبراهيم 946 ، أسعد أفندي ، نور عثمانية 3753 ، عاطف أفندي وبشير بوبو .