وإعطاء عنقودا واحدا من العنب أو رغيفا واحدا أو شربة ماء من مفازة .
الحجة الرابعة قال عليه السّلام : حاكيا عن ربّه ( تعالى ) : من آذى وليّا فقد بارزني بالمحاربة .
جعل إيذاء عبده قائما مقام إيذائه ، وهذا قريب من قوله لرسوله :
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ
« 1 » وقوله ( تعالى ) :
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
« 2 » ويتأكد هذا بالخبر المشهور أنه ( تعالى ) يقول يوم القيامة لبعض عباده : مرضت فلم تعدني ، واستطعمتك فلم تطعمني واستسقيتك فلم تسقني ، فيقول : يا رب ، كيف أفعل وأنت رب العالمين ؟ فيقول : إن عبدي فلانا مرض فلم تعده ، ولو فعلت ذلك لوجدته عندي ، وكذلك في السقي والإطعام فدلت هذه الأخبار على أن أولياء اللّه ينالون هذه المراتب الرفيعة ويبلغون إلى هذه الدرجات العالية ، فإذا جاز ذلك فأي بعد في إعطاء كسرة أو شربة أو تسخير كلب أو دود ؟
الحجة الخامسة : أنا نشاهد في العرف أن من خصه السلطان بالخدمة الخاصة وأذن له في الدخول عليه في مجلس الاستئناس فقد يخصّه أيضا بأن يقدره على ما لا يقدر عليه غيره ، بل العقل السليم يشهد بأنه متى حصل ذلك القرب فإنه يتبعه هذه المناصب ، فكان القرب أصلا والنصب تبعا ، فمالك الملوك ربّ العالمين إذا شرّف عبدا بأن أوصله إلى عتبات خدمته ودرجات كرامته وأوقفه إلى أسرار معرفته ورفع حجب البعد بينه وبين نفسه وأجلسه على بساط قربه وآنسه ، فأي بعد في أن يظهر بعض تلك الكرامات في هذا العالم ؟ مع أن كل هذا العالم بالنسبة إلى ذرة من تلك السعادات الروحانية والمعارف الربانية كالعدم المحض .
الحجة السادسة : لا شك أن المتولي للأفعال هو الروح لا البدن ، ولا شك أن معرفة اللّه الروح كالروح للروح ، وقال عليه السّلام : أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ، لهذا المعنى روى أن كل من كان أكثر علما بأحوال عالم الغيب كان أقوى قلبا وأقل ضعفا ، ولهذا قال علي عليه السّلام : ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية لكن بقوة ربانية . رواه المؤالف والمخالف ، وذلك لأن عليا عليه السّلام في ذلك انقطع نظيره عن عالم الأجسام ، وأشرفت روحه « 3 » بأنوار عالم الكبرياء والعظمة ، فتقوى روحه وتشبه بجواهر الأرواح ، وتلألأت
هامش
( 1 ) - الفتح : 10 .
( 2 ) - الأحزاب : 57 .
( 3 ) - خ ل : وأشرقت نوره .