ويأكله ويقول : من قنع بهذا لم يحتج إلى أحد .
وقال ابن مسعود : ما من يوم إلّا وملك ينادي : يا بن آدم ، قليل يكفيك خير من كثير يطغيك .
وقال آخر : إنّما بطنك شبر في شبر فلم يدخلك النار ؟
وقال آخر : من أراد أن يستغني عن الدنيا فهو كمن يطفئ النار بالحلفا .
وقال أويس القرني : ما سمعت كلمة كانت للحكماء أنفع لي من قولهم صانع وجها واحدا يكفيك الوجوه كلّها .
وسئل الشعبي عن مسألة فقال : لا أدري ، فقيل له : ألا تستحي من قولك لا أدري وأنت فقيه العراقين ؟ فقال : إن الملائكة لا تستحي من قولها لا أدري حين قالت :
لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا
« 1 » فكيف أستحي أنا ؟
ووصف لبعض العلماء رجل فقالوا : إنّه ذو همة عالية ، فقال : إذا لا يرضى بشيء دون الجنة ، وطالب السعادة الأخروية إنما هو العقل السليم والطبع المستقيم ، وهل هو في تحمله لمشاق الدنيا وثقل الطاعة إلّا كالعاقل الذي يحمل نفسه على تجرع غصص المشروب الكريهة لما يأمل عقيبه من حصول السلامة بإزالة الأخلاط المضرة والعفونات القاتلة ، فصبروا أيّاما قليلة أعقبتهم راحة طويلة ، وكانوا في الدنيا بمنزلة الغرباء يقطعون كل يوم مرحلة لا يفرحون إلّا بإكثار الزاد وإصلاح المعاد .
وكان بعض العلماء الصالحين إذا ذهب من الليل شطرا قال لزوجته : قومي بنا لنقطع الطريق ، فقد سارت القافلة ، وطريقنا بعيد وزادنا قليل .
وروى بعض العلماء قال : إن قوما خرجوا إلى السفر فحادوا عن الطريق ، فانتهوا إلى صومعة راهب فقالوا : يا راهب ، اين الطريق ؟ فأومأ برأسه إلى السماء ، فعلم القوم ما أراد ، فقالوا : يا راهب ، إنّا سائلوك فهل أنت مجيبنا ؟ فقال : اسألوا ولا تكثروا ، فإن النهار لا يرجع والعمر لا يعود والطالب حثيث . فقالوا : على ما يقوم غدا عند مليكهم ؟
فقال : على نياتهم ، فعجب القوم من كلامه ثم قالوا أوصنا ، فقال : تزودوا على قدر سفركم ، فإن خير الزاد ما بلغ البغية ، ثم أرشدهم إلى الطريق وأدخل رأسه في صومعته . فانظر أيها العاقل إلى علم هذا العالم وانقطاعه إلى اللّه ( تعالى ) وإقباله إلى عبادته ، ثم انظر إلى هذا الشيخ العظيم على عمره الكريم وصونه له عن الضياع في غير
هامش
( 1 ) - البقرة : 32 .