قال أبو محمّد : فانظر يا غافل كيف خافت الأرض من النار من غير أن كان عليها أمر أو نهي ، فكيف لا تخاف أنت مع كثرة جفائك وعصيانك ؟
وقال يحيى بن معاذ : لا أدري أيّ المصيبتين أعظم : فوت الجنان أو دخول النيران ؟
وقال : ذكر الجنّة موت وذكر النار موت ، فيا عجبا لنفس تحيا بين موتين . أمّا الجنّة فلا صبر عنها وأمّا النار فلا صبر عليها ، وعلى كلّ حال فوت النعيم أيسر من مقامات الجحيم .
رجعنا إلى تتمة الكلام السابق فقال اللّه لملك الموت : انطلق واتني بقبضة من الأرض من زواياها الأربع من أسودها وأحمرها وطيبها وخبيثها وسهلها وحزنها . فلمّا أتاها ملك الموت ليقبض منها القبضة قالت له الأرض : إنّي أعوذ بعزّة الذي أرسلك إليّ أن لا تأخذ اليوم منّي شيئا يكون فيه نصيب للنار غدا . فقال لها ملك الموت : وإنّي أعوذ بعزّته أن أعصي له أمرا . فقبض منها قبضة من زواياها الأربع من أديمها الأعلى فصعد بالقبضة إلى ربّه .
قال أبو حذيفة في روايته : فقال له الربّ ( عزّ وجلّ ) : أما استعاذت بك منّي ؟ قال :
نعم قال : فهلا رحمتها كما رحمها صاحباك ؟ قال : يا ربّ وجدت طاعتك أوجب عليّ من رحمتي إيّاها . فقال : اذهب أنت ملك الموت قد سلّطتك على أرواحهم . فبكى ملك الموت فقال : يا ربّ إنّك تخلق من هذا الخلق منهم الأنبياء والأصفياء ولم تخلق خلقا أكره من الموت ، فإذا عرفوا أنّي قابض أرواحهم أبغضوني . قال اللّه ( عزّ وجلّ ) : إنّي جاعل للموت عللا لا يذكرونك ، فخلق الأوجاع والأمراض والحتف « 1 » ، قال : ثمّ أمره فجعل ذلك التراب طينا وتركه حتى صار حما مسنونا أربعين سنة حتّى صار لازبا ، فكان أولا تراب من أديم الأرض ، كما قال :
مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ
« 2 » ، فحول التراب بالماء إلى الطين ، فذلك قوله ( تعالى ) :
وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ
« 3 » وكان طينا إذا قبص عليه ينسل ، فذلك قوله ( تعالى ) :
مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ
« 4 » فترك حتى تغيّر لونه وريحه فذلك قوله :
مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
« 5 » أي متغيّر اللون والريح ، وصار
هامش
( 1 ) - خ ل : الحتوف .
( 2 ) - الروم : 20 .
( 3 ) - السجدة : 7 .
( 4 ) - المؤمنون : 12 .
( 5 ) - الحجر : 26 .