عند ذكر القصاص والكلام في الوساوس والخطرات وقد قال ابن عقيل في الفنون : أنا أبرأ إلى الله تعالى من جموع أهل وقتنا في المساجد والمشاهد ليالي يسمعونها أحياء ، لعمري إنما لإحياء أهوائهم ، وإيقاظ شهواتهم ، جموع الرجال والنساء مخارج الأموال فيها أفسد المقاصد وهو الرياء والسمعة ، وما في خلال كل واحد من اللعب والكذب والغفلة ، ما كان أحوج الجوامع أن تكون مظلمة من سرجهم منزهة عن معاصيهم وفسقهم ، مردان ونسوة وفسق الرجل عندي من وزن في نفسه ثمن الشمعة فأخرج بها دهنا وحطبا إلى بيوت الفقراء ووقف في زاوية بيته بعد إرضاء عائلته بالحقوق فكتب في المتهجدين ، صلى ركعتين بحزن ، ودعا لنفسه وأهله وجماعة المسلمين ، وبكر إلى معاشه لا إلى المقابر . فترك المقابر في ذلك عبادة . يا هذا انظر إلى خروجك إلى المقابر كم بينه وبين ما وصفت له ؟ قال : " تذكركم الآخرة " " 1 " ما أشغلك يتلمح الوجوه الناضرة في تلك الجموع لزرع اللذة في قلبك ، والشهوة في نفسك ، عن مطالعة العظام الناخرة ، تستدعي بها ذكر الآخرة ؟ كلا ما خرجت إلا متنزها ، ولا عدت إلا متأثما ، ولا فرق عندك بين القبور والبساتين مع الفرحة ، إلا أقل من أن تكون المعاصي بين الجدران ، فإما أن تجعل المقابر والمشاهد علة في الاشتهار فإذا فعل من فطن لقوله في رجب وأمثاله :
فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ
[ سورة التوبة : الآية 36 ] .
عز علي بقوم فاتهم أيام المواسم التي يحظى فيها قوم بأنواع الأرباح وليتهم خرجوا منها بالبطالة رأسا برأس : ما قنعوا حتى جعلوها من السنة إلى السنة خلسا لاستيفاء اللذات ، واستسلام الشهوات والمحظورات ، ما بال الوجوه المصونة في جمادى هتكت في رجب بحجة الزيارات ؟
أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ
[ سورة المائدة : الآية 50 ] ؟
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً ؟
[ سورة نوح : الآية 13 ] .
ترى بما ذا تحدث عنك سواري المسجد في الظلم وأفنية القبور والقباب بالبكاء ومن خوف الوعيد والتذكر للآخرة ينظر العبرة ، إذا تحدثت عن أقوام ختموا في بيوتهم الختمات وصانوا الأهل ، اتباعا للنبي صلى الله عليه وسلم حيث انسل من فراش عائشة رضي الله عنها إلى المسجد لا شموع ولا جموع ، طوبى لمن سمع هذا الحديث فانزوى إلى زاوية بيته ، وانتصب لقراءة جزء في ركعتين بتدبر وتفكر ، فيا لها من لحظة ما أصفاها من أكدار المخالطات ، وأقذار الرياء ، غدا يرى أهل الجموع أن المساجد تلعنهم والمقابر تستغيث منهم ، يبكر أحدهم فيقول : أنا صائم ، قد أفلح عرسك حتى يكون لك صبحه ، قل لي يا من أحياه في الجامع بأي قلب رحت ؟ مات والله قلبك ، وعاشت نفسك ، ما أخوفني على من فعل هذا الفعل في هذه الليالي أن يخاف في موطن الأمن ويظمأ في مقامات الري ! ! .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( 1054 ) ، وأصل الحديث عند مسلم ( 977 ) عن بريدة .