الغضب ، ثم يقع الندم في ثاني الحال ، على أن لذة الحلم أوفى من الانتقام ، وربما آثر ذلك الحقد من الجاهل فتمكن فبالغ في الأذى له .
ومن ذلك أن يعادي الناس وما يأمن أن يرتفع المعادي فيؤذيه ، وإنما ينبغي أن يضمر عداوة العدو .
ومن ذلك أن يحب شخصا فيفشي إليه أسراره ثم تقع بينهما عداوة فيظهر ذلك عليه .
ومن ذلك أن يرى المال الكثير فينفق ناسيا أن ذلك يفنى فيقع له في ثاني الحال حوائج فيلقى من الندم أضعاف ما ألتذ به في النفقة ، فينبغي لمن رزق مالا أن يصور السن والعجز عن الكسب ، ويمثل ذهاب الجاه في الطلب من الناس ، ليحفظ ما معه .
ومن ذلك أن ينبسط ذو دولة في دولته فإذا عزل ندم على ما فعل وإنما ينبغي أن يتصور العزل ويعمل بمقتضاه .
ومن ذلك أن يؤثر لذة مطعم فيشبع فيفوته قيام الليل ، أو يؤثر لذة النوم فيفوته التهجد ، أو يأكل أو يجامع بشره فيمرض ، أو يشتهي جماع سوداء وينسى إنها ربما حملت فجاءت ببنت سوداء ، فكم من حسرة تقع له على مدى الزمان كلما رأى تلك البنت ، وقد كان في زماننا من جامع سوداء فجاءت له بولد فافتضح به ، منهم صاحب المخزن ، وقاضي القضاة الدامغاني وكان تاجرا قد ولد له ابن أسود فلما رآه قال : لعن الله شهوتي .
ومن ذلك اشتغال العالم بصورة العلم وإنما يراد العمل به والإخلاص في طلبه فيذهب الزمان في حب الصيت وطلب مدح الناس فيقع الخسران إذا حصل ما في الصدور .
ومن ذلك اقتناع العالم بطرف من العلم ، فأين مزاحمة الكاملين والنظر في عواقب أحوالهم ؟ وقد يؤثر الأسهل كإيثار علم الحديث على الفقه ومعاناة الدرج تسهل عند العلو .
ومن ذلك الإكثار من الجماع ناسيا مغبته وأنه يضعف البدن ويؤذي فالطبع يرى اللذة الحاضرة والعقل يتأمل ، وشرح هذا يطول لكن قد نبهت على أصوله ، ولقد جئت يوما من حر شديد فتعجلت راحة البرودة فنزعت ثوبي فأصابني زكام أشرفت منه على الموت ، ولو صبرت ساعة ربحت ما لقيت ، فقس كل لذة عاجلة ودع العقل يتلمح عواقبها والله أعلم .
وقال أيضا : تأملت اللذات فرأيتها بين حسي ومعنوي فأما الحسيات فليست بشيء عند النفوس الشريفة ، إنما تراد لغيرها كالنكاح للولد ولزوال الفضول المؤذية ، والطعام للتغذي والتداوي ، والمال للإعداد وللحوائج والاستغناء عن الخلق ، وإنما جعلت اللذات في تحصيل هذه الأشياء كالبرطيل حتى يحصلها وإن طلب منها شيء لنفس الالتذاذ فإن للطبع حظا ، إلا أن كل لذة حسية تلازمها آفات لا تكاد تفي باللذة فإن النكاح لذة ساعة فيلازمه عاجلا ذهاب القوة
الآداب الشرعية والمنح المرعية — صفحة 160
مساهمون: محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
ص١٦٠