وقال آخر :
إذا رزق الفتى وجها وقاحا * تقلب في الوجوه كما يشاء
وقال آخر كأنه الفرزدق " 1 " :
يغضي حياء ويغضى من مهابته * فلا يكلم إلا حين يبتسم
قال الأصمعي سمعت أعرابيا يقول : من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه .
فصل في البصيرة والنظر في العواقب
كان ملوك فارس يعتبرون أحوال الحواشي بإيفاد التحف على أيدي مستحسنات الجواري ويأمرونهن بالتدريج حتى إذا أطالوا الجلوس فتدب بوادي الشهوة قتلوا أولئك ، وإذا أرادوا مطالعة عقائد النساك دسوا من يتابعهم على ذم الدولة فإذا أظهروا ما في نفوسهم استأصلوهم ، قال ابن عقيل في الفنون : فينبغي الحذر من هذه الأحوال ، ومن مخض الرأي كانت زبدته الصواب .
وذكر ابن الجوزي هذا المعنى في غير موضع ، وذكر من ذلك حكايات وقال : ليحذر الحازم من الاشتراك وقال الرجل : من عمل بالحزم وحذر الجائزات ، والأبله الذي يعمل على الظواهر ويثق من لم يجرب . وقال أيضا أبو الفرج في كتابه السر المصون ( فصل مهم ) إنما فضل العقل على الحس بالنظر في العواقب . فإن الحس لا يرى الحاضر ، والعقل يلاحظ الآخرة ويعمل على ما يتصور ان يقع ، فلا ينبغي للعاقل أن يغفل عن تلمح العواقب ، فمن ذلك أن التكاسل في طلب العلم وإيثار عاجل الراحة يوجب حسرات دائمة لا تفي لذة البطالة بمعشار تلك الحسرة ، ولقد كان يجلس إلى أخي وهو عامي فقير ، فأقول في نفسي قد تساوينا في هذه اللحظة فأين تعبي في طلب العلم ؟ وأين لذة بطالته ؟ .
ومن ذلك أن الإنسان قد يجهل بعض العلم فيستحي من السؤال والطلب لكبر سنه ولئلا يرى بعين الجهل فيلقى من الفضيحة إن سئل عن ذلك أضعاف ما آثر من الحياء .
ومن ذلك الطبع يطالب بالعمل بمقتضى الحالة الحاضرة مثل جواب جاهل وقت
هامش
( 1 ) لعل تردد المصنف في نسبة القائل لخلاف في ذلك كما في الأغاني ( 15 / 325 - 329 ) ، والأبيات في ديوان الفرزدق ( 2 / 848 ، 849 ) .