وقال بزرجمهر خير أيام المرء ما أغاث فيه المضطر ، وارتهن فيه الشكر ، واسترق فيه الحر .
جمع كسرى مرازبته وعيون أصحابه فقال لهم : على أي شيء أنتم أشد ندامة ؟ فقالوا :
على وضع المعروف في غير أهله ، وطلب الشكر ممن لا شكر له : قال الشاعر :
وزهّدني في كل خير صنعته * إلى الناس ما جربت من قلة الشكر
وقال :
ومن يجعل المعروف مع غير أهله * يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر
وقال المهلب : عجبت لمن يشتري المماليك بماله ولا يشتري الأحرار بمعروفه ، وقال :
ليس للأحرار ثمن إلا الإكرام فأكرم حرا تملكه . وقال المتنبي :
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته * وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا
وقال عبد مناف : دواء من لا يصلحه الإكرام الهوان . قال الشاعر :
من لم يؤدبه الجمي * ل ففي عقوبته صلاحه
وقال ابن عقيل في الفنون : فعل الخير مع الأشرار تقوية لهم على الأخيار ، كما لا ينبغي أن يحرم الخير أهله ، لا ينبغي أن يحرم الخير حقه ، فإن وضع الخير في غير محله ظلم للخير كما قيل : لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم ، ولا تضعوها في غير أهلها فتظلموها ، كذلك البر والإنعام مفسد لقوم حسب ما يفسد الحرمان قوما قال : فهو كالنار كلما أطيب لها مأكلا سطت فأفسدت قال فرقد قال المتنبي :
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا * مضر كوضع السيف في موضع الندى
فالسياسة الكلية إفتقاد محال الإنعام قبل الإنعام ، وقال علي رضي اللّه عنه : كن من خمسة على حذر : من لئيم إذا أكرمته ، وكريم إذا أهنته ، وعاقل إذا أحرجته ، وأحمق إذا مازجته ، وفاجر إذا مازحته . انتهى كلامه ويأتي في آخر كراسة في الكتاب ما يتعلق بهذا .
فصل من لم يشكر الناس لا يشكر اللّه
عن أبي هريرة رضي اللّه عنه مرفوعا : " لا يشكر اللّه من لا يشكر الناس " " 1 " إسناد صحيح
هامش
( 1 ) رواه أحمد ( 2 / 295 ، 302 ، 388 ، 92 ) وأبو داود ( 4811 ) ، والبخاري في " الأدب المفرد " ( 33 ) -