قلت : إذا أغرق « 1 » العاقل في قوس الاعتبار ، وجرى في ميدان الإيراد والإصدار ، ظهر له استفظاع الجرائم من العاصين ، واستشناع المآثم من المسيئين ، اعتبارا بجلال المبارز « 2 » بالخلاف ، وما أولاه « 3 » من إحسان وإسعاف « 4 » ، بحيث يكون المذنب هو الحاكم بالعقوبة على مهجته ، المقرّر براهين اصطلام حشاشته ، اللّهمّ إلّا أن يلجأ إلى حرم الحلم بكلّيّته ، ويلوذ بكعبة العفو بجملته ، قائلا بلسان الذّلّ والاعتراف والاستكانة والاستعطاف :
لا شيء أعظم من ذنبي سوى أملي * لحسن صفحك عن جرمي وعن زللي
فإن يكن ذا وذا في القدر قد عظما * فأنت أعظم من ذنبي ومن أملي « 5 »
معنى يتلوه بيتان لائقان
قلت : من اختصّ بكمال الذّات ، وتمجّد بمقدّس الصّفات كان لعبده أن يخاطبه عند تكرار الزّلّات ، وترادف الخطيئات في الخلوة والجلوة ، فيقول :
سيّدي قد عثرت خذ بيدي * ولا تدعني ، ولا تقل : تعسا « 6 »
هامش
( 1 ) . أغرق في القوس : مدّها غاية المدّ .
( 2 ) . في الأصل : المبارر وفي الأخرى : المبارد . ولعله كان المبادر .
( 3 ) . أولاه معروفا : صنعه إليه .
( 4 ) . أسعفه بحاجته : قضاها له .
( 5 ) . البيتان لإسحاق بن إبراهيم الموصلي ، عتب عليه المأمون في شيء ، فكتب إليه رقعة وأوصلها إليه من يده ، ففتحها المأمون فإذا فيها : لا شيء . . . فضحك ، ثمّ قال : يا إسحاق عذرك أعلى قدرا من جرمك . راجع الأغاني ، ج 5 ، ص 406 .
( 6 ) . تعسا له : ألزمه اللّه الهلاك . في بعض المصادر : « أوّاه يا » وفي بعضها : يا سيّدي .