فصل في فعل الأصلح من المن والفداء وتأخير الأسراء إلى ما بعد الإثخان
قال اللّه تعالى :
حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً
[ محمد : 4 ] .
الحزم التام تأخير الأسراء إلى الإثخان ، وأما شد الوثاق فإرشاد إلى الاحتياط في كل ما ينبغي أن يحتاط له ، وأما ضرب الأعناق وكل بنان ، فإن ضرب الأعناق يبيدهم ، وقطع كل بنان يمنعهم من القتال ، بخلاف إيقاع الضرب في غير هذين المحلين ، فإن التوسط عزيز قليل ، ولا يتأتى ضرب الأوساط كما يتأتى ضرب الأعناق .
وأما الثبوت في القتال والمبالغة في قتالهم بالأسباب المذكورة ، ففيه مبالغة في زجرهم عن الكفر ، مع ما فيه من إعزاز الدين ، ونصرة المؤمنين ، وشفاء صدورهم من الكافرين .
وأما قطع الأشجار وتخريب الديار فخزي لهم وإضعاف لقلوبهم ، فإن المصائب تضعف القلوب ، وتكسر النفوس ، وكذلك قال اللّه تعالى :
فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ
[ الحشر : 5 ] .
وأما الجد في طلبهم ففيه إيهامهم قوة المسلمين ، وكسر شوكتهم .
وأما التنازع فإن الرأي إذا اتفق على كيدهم وقتالهم حصل الغرض ، وأما رفع التنازع جرى الأمر على خلاف ذلك .
وأما الدعاء بالمعونة والنصر والصبر ففيه تفويض الأمر إلى من له الخلق والأمر وتوكل عليه
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
[ الطلاق : 3 ] ، أي : كافيه .
وأما الدعاء إلى الصلح فضيم على الإسلام وذل ووهن ، فلا يجوز إلا في حال ( ق 96 - ب ) الاضطرار ودفع أمر لا يطيقه المسلمون / كما عزم صلّى اللّه عليه وسلّم عام الخندق على الصلح على ثلث ثمار المدينة ، ومن ابتلي بكلب عقور ، فشغله عن شره وأذيته برغيف بر فلا ضيم عليه في ذلك .