وقيل : حسبك من التّوكّل على اللّه إذا لم تطلب لنفسك ناصرا غيره ولا لرزقك خازنا غيره ولا على عملك شاهدا غيره .
وقد أزال اللّه سلطان الشّياطين عن المتوكّلين وقطع أطماعهم عن المؤمنين ، فقال :
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
« 1 » .
ومن أشكال التّوكّل التّفويض ، وهو ترك التّدبير على المدبّر الحكيم .
وقيل : هو التّبرّي عن الحول والقوّة « 2 » ، وهو ترك الاختيار ليختار الحكيم ما هو أصلح للعبد وأولى به .
وقيل : فوّض الأمر إلى اللّه تسترح .
وقد دفع اللّه البلاء عن المفوّض . قال اللّه يحكي قول العبد الصّالح :
فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا
« 3 » .
ومن فوّض الأمر إلى سيّده ورضي باختياره وسكن مع حكمه ، هبّت رياح النّصر عليه ، وألبسه سيّده لباس الوفاء ومدّه بكفاية الأصفياء ، ونجا من كدورة اختياره وقطع مفاوز الصّبر بنور اليقين واتّكى في بستان الرّضا على سرر الدّين ، وأبصر بقلبه ما حجب عن العالمين وسلّم نفسه وملكه إلى مالك السّماوات والأرضين ، ولزم بأصمّ الفقر على بساط التّسليم آخذا بعنان الاضطرار يسبح في بحار الفضل بقوّة المتوكّلين ويرتع في رياض المجد على مراكب العناية ، مستظلّا تحت أشجار اللطف ، مبصرا أنوار الإفضال بسرج المفوّضين .
وإذا بلغ هذه الرّتبة فقد بلغ أقصى غاية المتوكّلين ، وهو درجة التّسليم مقام الخليل
هامش
( 1 ) . النّحل : 99 .
( 2 ) . وفي كلام أمير المؤمنين عليّ صلوات اللّه عليه : التوكّل التبرّي من الحول والقوّة وانتظار ما يأتي به القدر .
انظر عيون الحكم والمواعظ للواسطي : 57 .
( 3 ) . فاطر : 40 .