فصل : فإن قال قائل : قد كبرت جنايتي على نفسي ،
وكررت النظر ، وانتقشت صورة المحبوب في قلبي ، وأورثت القلق الدائم ، ورأت النفس أنها تستشفي من هذا المرض بتكرار النظر والزيارة للمحبوب ، فلما فعلت زاد الأمر بي ، وما أقدر أن أصبر عن الحبيب لحظة ، فهل لهذا من علاج أتلافى فيه أمري قبل التلف ؟ .
فالجواب : كيف آمرك بهجر من لا تصبر عنه لحظة ، وكيف لا آمرك وأنت على شفا هلكة قد لعبت ببدنك ودينك ، فأنت كما قال الشاعر :
كثر فيك اللّوّم * وأين سمعي وهم
وقال الآخر :
بكرت صبحا عواذله * ورسيس الحبّ قاتله
هو في واد وليس به * والهوى عنهن شاغله
يتمنين السّلوّ له * ومناه من يواصله
ومع هذا فلا بد لي من نصيحتك ، ما دام الكلام يصل إلى سمعك .
إن كان التردد إلى محبوبك ، يتردد في قلبك :
فلا تأتينّ إلى واعظ * فلست بمنتفع بالعظات
إنما يوصف الدواء لمن يقبل ، فأما المخلط فإن الدواء يضيع عنده ، فإن صحّ عزمك على استعماله فاسمع أصف لك .
اعلم أن الخيال الذي وقع لك ، من أن التزاور والنظر يشفي بعض المرض خيال فاسد .
فإن قلت : فأراني أسكن في تلك الحالة .