محمد بن إسماعيل ، قال : حدثني المبرد ، قال : خرجت أنا وجماعة من أصحابي مع المأمون ، فلما قربنا من نحو الرّقّة ، إذا نحن بدير كبير ، فأقبل إليّ بعض أصحابي ، فقال : مل بنا إلى هذا الدير ، لننظر من فيه ، ونحمد اللّه سبحانه على ما رزقنا من السلامة . فلما دخلنا إلى الدير رأينا مجانين مغلّلين وهم في نهاية القذارة ، فإذا منهم شاب عليه بقية ثياب ناعمة ، فلما بصر بنا قال : من أين أتيتم يا فتيان ؟ حيّاكم اللّه . فقلنا : نحن من العراق ، فقال : بأبي العراق وأهلها ، باللّه أنشدوني أو أنشدكم ، فقال المبرّد : واللّه إنّ الشعر من هذا لظريف . فقلنا :
أنشدنا ، فأنشأ يقول :
اللّه يعلم أنني كمد * لا أستطيع أبثّ ما أجد
روحان لي روح تضمّنها * بلد وأخرى حازها بلد
وأرى المقيمة ليس ينفعها * صبر ولا يقوى بها جلد
وأظن غائبتي كشاهدتي * بمكانها تجد الذي أجد
قال المبرّد : إن هذا لظريف واللّه ، زدنا ، فأنشأ يقول :
لمّا أناخوا قبيل الصّبح عيرهم * ورحّلوها فثارت بالهوى الإبل
وأمررت من خلال السّجف ناظرها * ترنو إليّ ، ودمع العين منهمل
وودعت ببنان عقدها عنم * ناديت لا حملت رجلاك يا جمل
ويلي من البين ماذا حلّ بي وبها * من نازل البين حان البين وارتحلوا
يا راحل العيس عرّج حتى نودّعها * يا راحل العيس في ترحالك الأجل
إني على العهد لم أنقض مودتهم * فليت شعري لطول العهد ما فعلوا
فقال رجل من البغضاء الذين كانوا معي : ماتوا . قال : إذن فأموت . فقال له :
إن شئت ، فتمطى واستند إلى السارية التي كان مشدودا فيها ، فما برحنا حتى دفناه .