فبكت العجوز وقالت : فاضت واللّه نفسه . فدخلني أمر لم يدخلني مثله فلما رأت العجوز ما حلّ بي قالت : يا فتى لا ترع ، مات واللّه ولدي بأجله ، واستراح من تباريحه وغصصه . ثم قالت : هل لك في استكمال الصنعة ؟ قلت : قولي ما أحببت . قالت : تأتي البيوت فتنعاه إليهم ليعاونوني على رمسه ، فإني وحيدة .
قال : فركبت نحو البيوت فرسي ، فإذا أنا بجارية أجمل ما رأيت من النساء ، ناشرة شعرها ، حديثة عهد بعرس ، فقالت : بفيك الحجر المصلت ، من تنعى ؟
قلت : أنعى فلانا .
قالت : أو قد مات ؟ قلت : إي واللّه ، قد مات .
قالت : فهل سمعت له قولا . قلت : اللهم لا ، إلا شعرا . قالت : وما هو ؟
قال : فأنشدتها قوله :
ألا ما للمليحة لم تعدني * أبخل بالمليحة أم صدود
فاستعبرت باكية ، وأنشأت تقول :
عداني أن أزورك يا مناي * معاشر كلّهم واش حسود
أشاعوا ما علمت من الدواهي * وعابونا وما فيهم رشيد
فلما أن ثويت اليوم لحدا * فكلّ الناس دورهم لحود
فلا طابت لي الدنيا فواقا « 1 » * ولا لهم ولا أثرى العديد
ثم شهقت شهقة خرّت مغشيا عليها ، وخرج النساء من البيوت ، واضطربت ساعة وماتت . فو اللّه ما برحت الحيّ حتى دفنتهما جميعا .
وقد رويت لنا هذه الحكاية من طريق آخر .
فأنبأنا محمد بن ناصر الحافظ ، قال : أخبرنا المبارك بن عبد الجبار ، قال :
هامش
( 1 ) الفواق : الوقت ما بين الحلبتين .