عبد اللّه بن علقمة ، وكان جميلا فهوي جارية ، من غير فخذه يقال لها حبيشة ، وكان يأتيها ويتحدث إليها ، فخرج ذات يوم من عندها ومعه أمه ، فرأى في طريقه ظبية على رابية ، فأنشأ يقول :
يا أمّتا خبّريني غير كاذبة * وما يريد مسول الخير بالكذب
حبيش أحسن أم ظبي برابية * لا بل حبيشة من درّ ومن ذهب
ثم انصرف من عندها مرة أخرى ، فأصابته السماء ، فأنشأ يقول :
وما أدري إذا أبصرت يوما * أصوب القطر أحسن أم حبيش
حبيش والذي خلق الهدايا * على أن ليس عند حبيش عيش
فلما كثر ذلك منه وشهر بها ، قال قومه لأمه : إن هذا الغلام تيّم ، وإنّ أهل هذه المرأة يرغبون بأنفسهم عنكم ، فانظري جارية من قومك ، ممن لا تمتنع عليك فزيّنيها ، واعرضيها عليه لعله يتعلقها ويسلو تلك . ففعلت وحضر نساؤها ، فجعلوا يعرضون عليه نساء الحي ، ثم يقولون له : يا عبد اللّه كيف ترى ؟ فيقول :
إنها واللّه حسناء جملاء . إلى أن قال قائل : هي أحسن أم حبيشة ؟ فقال : مرعى ولا كالسّعدان « 1 » .
فلما يئسوا أن ينصرف عنها ، قال بعضهم لبعض : عليكم بحبيشة وطمعوا أن يأتوا الأمر من قبلها ، فقالوا : واللّه لئن أتاك فلم تزري به وتتجهّميه وتقولي له :
أنت أبغض الخلق إليّ فلا تقربني ، لنفعلنّ بك ما يسوؤك . فأتاها فلم تكلّمه بشيء مما قالوا ، ولم تزد على أن نظرت إليه ونظر إليها ، ثم أرسلت عينها تبكي ، فانصرف عنها وهو يقول :
وما كان حبّي عن نوال بذلته * وليس بمسليّ التجهّم والهجر
هامش
( 1 ) مثل يضرب للشيء فيه نفع وغيره أنفع منه .