له في الفراق علم أن الوصال يبقى .
أخبرتنا شهدة بنت أحمد ، قالت : أنبأنا جعفر بن أحمد ، قال : أنبأنا أبو محمد الجوهري ، قال : أنبأنا أبو عمر بن حيّويه ، قال : حدثنا محمد بن خلف ، قال :
أخبرني أبو عبد اللّه أحمد بن عبد الرحمن ، عن العباس بن علي ، قال : حدثني بعض أهل المدينة ، قال : دعاني فتى من أهل المدينة إلى جارية تغني ، فلما دخلنا عليها إذا أحسن الناس وجها ، وإذا بها انخراط وجه وسهو وسكوت ، فجعلنا نبسطها بالمزاح والكلام ، ويمنعها من ذلك ما تكاتم ، فقلت في نفسي :
واللّه إنّ بها لهياما وطائفا من الحب ، فأقبلت عليها فقلت : باللّه لتصدقيني بالذي بك ، فقالت : برح الذّكر ، ودوام الفكر ، وحلول « 1 » النهار ، والتشوق إلى من سار ، وأخذت العود فغنت .
سيوردني التّذكار خوض المهالك * ولست لتذكار الحبيب بتارك
أبى اللّه إلا أن أموت صبابة * ولست لما يقضي الإله بمالك
كأنّ بقلبي حين شطّت به النّوى * وخلّفني فردا صدور النيازك « 2 »
تقطّعت الأخبار بيني وبينه * لبعد النّوى وانسدّ سبل المسالك
قال : فو اللّه لقد خفت أن أسلب عقلي لما غنّت .
فقلت : جعلني اللّه فداك ، وهذا الذي صيّرك إلى ما أرى يستحقّ هذا منك ؟ ! فو اللّه إنّ الناس لكثير ، فلو تسلّيت بغيره فلعلّ ما بك أن يسكن ، أو يخفّ فقد قال الأول :
صبرت على اللّذّات حتى تولّت * وألزمت نفسي صبرها فاستمرّت
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى * فإن أطمعت تاقت وإلا تسلّت
هامش
( 1 ) ن وخلو .
( 2 ) النيازك : الرماح القصيرة .