غاية ما يكون مثلها ، وكان المتوكل يجد بها وجدا شديدا ، وكانت له على مثل ذلك . فلما كان من أمر المتوكل ما كان ، تفرّقت الجواري إلى القواد فصارت محبوبة إلى وصيف ، فكان لباسها البياض الخشن ، وكانت تذكره فتشهق وتنتحب .
قال : فجلس وصيف يوما للشرب ، وجلس الجواري اللاتي كنّ للمتوكل في الحليّ والحلل ، وجاءت محبوبة في معجر « 1 » أبيض ، فجلست ، فما هو إلّا أن دار النبيذ بين الندماء ، فأقبل وصيف على من حضره من جواري المتوكل ، وكان عنده منهن جماعة ، فقال : غنّين . فما بقيت منهن واحدة إلا غنّت وطربت وضحكت وشربت ، إلى أن أومأ وصيف إلى محبوبة بالغناء ، فقالت : إن رأى الأمير أن يعفيني . فأبى ، وقال لها الجواري : لو كان في الحزن فرج لحزنّا معك ؟ وجيء بعود فوضع في حجرها ، فسوّته وأنشأت تقول :
أيّ عيش يطيب لي * لا أرى فيه جعفرا
ملك قد رأته عيني جريحا معفّرا * كلّ من كان هائما
وسقيما فقد برا * غير محبوبة التي
لو ترى الموت يشترى * لاشترته بما حوته جميعا لتقبرا
إن موت الكئيب أطيب من أن يعمّرا
فاشتد ذلك على وصيف ، فأمر بإخراجها ، فصارت إلى قبيحة ، فلما كان بعد هنيهة سأل عنها وصيف ، فقيل له : صارت إلى قبيحة فبعث إليها فقالت :
تمسّحت « 2 » ومضت ، فو اللّه ما أدرى إلام صارت .
هامش
( 1 ) المعجر : ما تشده المرأة على رأسها .
( 2 ) في هامش س : « تمسحت أي اتخذت أو لبست مسوحا . . فرحمة اللّه عليها من امرأة -