فما يبلغ من الكل قوله تعالى : « ا فمن يعلم كمن لا يعلم « 1 » » . وجاء سفيان إلى رابعة : فجلس بين يديها ينتفع بكلامها .
فدل العلماء العلم على أن المقصود منه العمل به وانه آلة فانكسروا واعترفوا بالتقصير . فحصل الكل على الاعتراف والذل ، فاستخرجت المعرفة منهم حقيقة العبودية باعترافهم ، فذلك هو المقصود من التكليف .
26 - حب اللّه
تأملت قوله تعالى
« يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ »
، فإذا النفس تأبى اثبات محبة للخالق توجب قلقا « 2 » ، وقالت : محبته طاعته ، فتدبرت ذلك فإذا بها قد جهلت ذلك لغلبة الحس . وبيان هذا ، ان محبة الحس لا تتعدى الصور الذاتية ، ومحبة العلم والعمل ترى الصور المعنوية فتحبها . فإنا نرى خلقا يحبون أبا بكر رضي اللّه عنه ، وخلقا يحبون علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، وقوما يتعصبون لأحمد بن حنبل ، وقوما للأشعري ، فيقتتلون ويبذلون النفوس في ذلك . وليسوا ممن رأى صور القوم ، ولا صور القوم توجب المحبة . ولكن لما تصوّرت لهم المعاني فدلتهم على كمال القوم في العلوم ، وقع الحب لتلك الصور التي شوهدت بأعين البصائر ، فكيف بمن ضيع تلك الصور المعنوية وابتذلها ؟ وكيف لا أحب من وهب لي ملذوذات حسي ، وعرفني ملذوذات علمي ، فإن التذاذي بالعلم وادراك العلوم أولى من جميع اللذات الحسية ، فهو الذي علمني وخلق لي إدراكا وهداني إلى ما أدركته . ثم إنه يتجلى لي في كل لحظة فيّ مخلوق جديد أراه فيه باتقان ذلك الصنع وحسن ذلك المصنوع .
فكل محبوباتي منه وعنه وبه : الحسية والمعنوية ، وتسهيل سبل الادراك به ، والمدركات منه ، وألذ من كل لذة عرفاني له ، فلو لا تعليمه ما عرفته ، وكيف لا أحب من أنا به ، وبقائي منه ، وتدبيري بيده ، ورجوعي إليه ، وكل مستحسن محبوب هو صنعه وحسّنه وزيّنه وعطف النفوس اليه ، فكذلك الكامل القدرة أحسن من المقدور ، والعجيب الصنعة أكمل من المصنوع ، ومعنى الادراك أحلى عرفانا من
هامش
( 1 ) الآية :( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) .وفي التنزيل( أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ ) ؟ولعل المؤلف التبس عليه الامر بينهما .
( 2 ) يريد بالقلق ما نسميه نحن « الانفعال النفسي » .