والثاني : لحب المدحة فإنها إذا توسمت بالزهد كان ميل العوام إليها أكثر ، فعليك بالنظر في الشرب الأول ، فكن مع الشرب المقدم . وهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، رضي اللّه تعالى عنهم ، فهل نقل عن أحد منهم ما ابتدعه جهلة المتزهدين والمتصوفة ، من الانقطاع عن العلم ، والانفراد عن الخلق ؟ وهل كان شغل الأنبياء الا معاناة الخلق ، وحثهم على الخير ونهيهم عن الشر ؟ إلا أن ينقطع من ليس بعالم يقصد الكف عن الشر ، فذاك في مرتبة المحتمي يخاف شر التخليط . فأما الطبيب العالم بما يتناول فإنه ينتفع بما يناله .
25 - المراد من الخلق
تأملت المراد من الخلق فإذا هو الذل واعتقاد التقصير والعجز ، ومثلت العلماء والزهاد العاملين صنفين ، فأقمت في صف العلماء مالكا وسفيان وأبا حنيفة والشافعي وأحمد ، وفي صف العباد مالك بن دينار ورابعة ومعروفا الكرخي وبشر بن الحارث .
فكلما جد العباد في العبادة وصاح بهم لسان الحال : عباداتكم لا يتعداكم نفعها ، وانما يتعدى نفع العلماء وهم ورثة الأنبياء ، وخلفاء اللّه في الأرض وهم الذين عليهم المعول ، ولهم الفضل ، إذا أطرقوا وانكسروا ، وعلموا صدق تلك الحال .
وجاء مالك بن دينار إلى الحسن يتعلم منه ويقول : الحسن استاذنا .
وإذا رأى العلماء لهم بالعلم فضلا ، صاح لسان الحال بالعلماء : وهل المراد من العلم إلا العمل ؟
وقال أحمد بن حنبل : وهل يراد العلم إلا لما وصل اليه معروف ؟
وصح عن سفيان الثوري قال : وددت أن يدي قطعت ولم أكتب الحديث .
وقالت أم الدرداء لرجل : هل عملت بما علمت ؟ قال : لا . قالت : فلم تستكثر من حجة اللّه عليك ؟
وقال أبو الدرداء : ويل لمن لم يعلم ولم يعمل مرة ، وويل لمن علم ولم يعمل سبعين مرة .
وقال الفضيل : يغفر للجاهل سبعون ذنبا . قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد ،