ويبتذل هو . فيرى كل واحد من الآخر ما لا يشتهي فينفر القلب وتبقى المعاشرة بغير المحبة . وهذا فصل ينبغي تأمله والعمل به فإنه أصل عظيم .
369 - فائدة القناعة للعالم والزاهد
لا عيش في الدنيا الا للقنوع باليسير ، فإنه كلما زاد الحرص على فضول العيش زاد الهم وتشتت القلب ، واستعبد العبد . وأما القنوع فلا يحتاج إلى مخالطة من فوقه ولا يبالي بمن هو مثله ، إذ عنده ما عنده . وان أقواما لم يقنعوا وطلبوا لذيذ العيش فأزروا بدينهم وذلوا لغيرهم ، وخصوصا أرباب العلم فإنهم ترددوا إلى الأمراء فاستعبدوهم ، ورأوا المنكرات فلم يقدروا على انكارها ، وربما مدحوا الظالم اتقاء لشرّه . فالذي نالهم من الذل وقلة الدين أضعاف ما نالوا من الدنيا .
ومن أقبح الناس حالا من تعرض للقضاء والشهادة ولقد كانتا مرتبتين حسنتين ، وكان عبد الحميد القاضي لا يحابي . فبعث إلى المعتضد ، وقال له : قد استأجرت وقوفا فأد أجرتها ففعل . وقال له المعتضد : قد مات فلان ولنا عليه مال .
فقال : أنت تذكر لما وليتني قلت لي ، قد أخرجت هذا الامر من عنقي ووضعته في عنقك ولا أقبل هذا إلا بشاهدين .
وكذلك كان الشهود ، دخل جماعة على بعض الخلفاء فقال الخادم : اشهدوا على مولانا بكذا فشهدوا ، فتقدم المجذوعي إلى الستر فقال : يا أمير المؤمنين أشهد عليك بما في هذا الكتاب فقال : اشهد ، قال : انه لا يكفي في ذلك ، لا أشهد حتى تقول : نعم « 1 » .
قال : نعم .
فأما في زماننا فتغيرت تلك القواعد من الكل ، خصوصا من يتقرب بالمال ليستشهد فتراه يسحب ليشهد على ما لا يرى .
قال لي أبو المعالي بن شافع : كنت أحمل إلى بعض أهل السواد وهو محبوس وأشهد عليه ، وأعلم أنه لولا مكره لجاء اليّ بقدميه . وأنا أستغفر اللّه من ذلك .
هامش
( 1 ) قوله « اشهد » أدل على القصد وأصرح من قوله « نعم » .