البطالة . ثمّ يفوته ثواب الآخرة بترك العمل في الدنيا . وكذلك شارب الخمر ، يلتذ تلك الساعة وينسى ما يجني من الآفات في الدنيا والآخرة . وكذلك الزنا ، فان الانسان يرى قضاء الشهوة ، وينسى ما يجني من فضيحة الدنيا والحد « 1 » وربما كان للمرأة زوج فألحقت الحمل من هذا به وتسلسل الأمر . فقس على هذه النبذة وانتبه للعواقب ، ولا تؤثر لذة تفوّت خيرا كثيرا ، وصابر مشقة تحصل ربحا وافرا .
363 - على العالم والزاهد القناعة بالكفاف
ليس في الدنيا عيش إلا لعالم أو زاهد . بلى ، قد يقع في صفاء حالهما كدر .
وهو أن العالم يشتغل بالعلم أو بالانقطاع عن الكسب ، وقد يكون له عائلة ، فربما تعرّض بالسلطان « 2 » ففسد حاله . وكذلك الزاهد . فينبغي للعالم والعابد أن يحوكا في معاش كنسخ بأجرة ، أو عمل الخوص ، أو إن فتح له بشيء واقتنع باليسير ، فلا يستعبده أحد . كما كان أحمد بن حنبل له أجرة « 3 » لعلها تبلغ دينارا يتقوت بها . ومتى لم يقنع أفسدت مخالطة السلاطين والعوام دينه .
وفي الناس من يريد التوسع في المطاعم . ومنهم من لا يوافقه خشن العيش .
وهيهات أن يصح الدين مع تحصيل اللذات . وإذا قنع العالم والزاهد بما يكفي ، لم يتبذل للسلطان ، ولم يستخدم بالتردد إلى بابه ، ولم يحتج الزاهد إلى تصنع ، والعيش اللذيذ للمنقطع الذي لا يتبذل به ولا يحمل منة .
364 - التفاوت في الفهم والتفكير
ما أكثر تفاوت الناس في الفهوم ، حتى العلماء يتفاوتون التفاوت الكثير في الأصول والفروع ، فترى أقواما يسمعون أخبار الصفات فيحملونها على ما يقتضيه الحسّ كقول قائلهم : ينزل بذاته إلى السماء وينتقل . وهذا فهم رديء ، لأن المنتقل يكون من مكان إلى مكان ويوجب ذلك كون المكان أكبر منه ويلزم منه الحركة وكل ذلك محال على الحق عز وجل .
وأما في الفروع فكما يروى عن داود أنه قال في قوله : لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه .
هامش
( 1 ) أعاد هذه المعاني مرارا .
( 2 ) تعرض له .
( 3 ) من دار له يؤجرها .