أن يصابر لنيل الفضائل . فإن كان متزهدا بغير عائلة فقد كان السبتي « 1 » يعمل يوم السبت فيكتفي به طول الأسبوع .
فإن كان له مال باضع به من يكفيه بدينه ، وثقته أن يهتم هو ، وان كان له عائلة جمع همه في نية الكسب عليهم فيكون متعبدا . أو أن يكون قنية مال كعقار ناصفه في نفقته ليكفيه دخله . وليقلل الهم على مقدار ما يمكنه من حذف العلائق جهده ليجمع الهم في ذكر الآخرة فإن لم يفعل أخذ في غفلته ، وندم في حفرته .
وأقبح الأحوال حال عالم فقيه كلما جمع همه لذكر الآخرة شتته طلب القوت للعائلة ، وربما احتاج للتعرض بالظلمة وأخذ الشبهات وبذل الوجه . فيلزم هذا التقدير في النفقة . وإذا حصل له شيء من وجه دبر فيه . ولا ينبغي أن يحمله قصر الأمل على اخراج ما في يده . فقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : لأن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس .
وأذل من كل ذلك التعرض للبخلاء والأمراء . فليدبر أمره ، ويقلل العلائق ، ويحفظ جاهه ، فالأيام قلائل . وقد بعث إلى أحمد بن حنبل مال فسأله ابنه قبوله فقال : يا صالح صنّي « 2 » . ثم قال : أستخير اللّه ، فأصبح فقال :
يا بنيّ قد عزم لي ألّا أقبله ، هذا وكان العطاء هنيا ، وجاءه من وجوه .
فانعكس الأمر اليوم .
344 - كيف تعامل صديقك وحاسدك
العزلة عن الخلق سبب طيب العيش ، ولا بد من مخالطة بمقدار . فدار العدوّ واستحلّه ، فربما كادك فأهلكك . وأحسن إلى من أساء إليك ، واستعن على أمورك بالكتمان ، ولتكن الناس عندك معارف . فأما أصدقاء فلا ، لأن أعز « 3 » الأشياء وجود صديق ، لأن الصديق يجب أن يكون في مرتبة مماثل . فان صادقته عاميا لم تنتفع به لسوء أخلاقه وقلة علمه وأدبه . وان صادقت مماثلا أو مقاربا حسدك .
وإذا كان لك يقظة تلمحت من أفعاله وأقواله ما يدل على حسدك « ولتعرفنهم في
هامش
( 1 ) كان من أبناء هارون الرشيد فزهد وتخفى ولقب بالسبتي لأنه كان يشتغل يوم السبت ويتفرغ سائر الأسبوع للعبادة .
( 2 ) فعل أمر من « صانه » .
( 3 ) أي اندر وأقل .