كما قال الحسن : إذا كان اللص ظريفا لم يقطع . فأما المغفل فيجني على نفسه المحن .
هؤلاء اخوة يوسف عليهم السلام ، أبعدوه عن أبيه ليتقدموا عنده ، وما علموا أن حزنه عليه يشغله عنهم ، وتهمته إياهم تبغضهم اليه . ثم رموه في الجب فقالوا :
يلتقطه بعض السيارة وليس بطفل ، إنما هو صبي كبير . وما علموا أنه إذا التقط يحدّث بحاله ، فيبلغ الخبر إلى أبيه ، وهذا تغفيل .
ثم إنهم قالوا : أكله الذئب ، وجاءوا بقميصه صحيحا ، ولو خرقوه احتمل الأمر . ثم لما مضوا اليه يمتارون قال :
« ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ »
فلو فطنوا علموا أن ملك مصر لا غرض له في أخيهم . ثم حبسه بحجة ، ثم قال : هذا الصواع يخبرني أنه كان كذا وكذا .
هذا كله وما يفطنون . فلما أحس بهذه الأشياء يعقوب عليه السلام قال
« اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ »
وكان يوسف عليه السلام قد نهي بالوحي أن يعلم أباه بوجوده . ولهذا لما التقيا قال له : هلا كتبت إليّ ؟
فقال : ان جبريل عليه السلام منعني .
فلما نهي أن يعرّفه خبره لينفذ البلاء كان ما فعل بأخيه تنبيها . فصار كأنه يعرّض بخطبة المعتدة « 1 » ، وعلى فهم يوسف واللّه بكى يعقوب لا على مجرد صورته .
343 - قلل علائقك وتزود فالعمر قصير
الآدمي موضوع على مطلوبات تشتت الهم . العين تطلب المنظور ، واللسان يطلب الكلام ، والبطن يطلب المأكول ، والفرج المنكوح ، والطبع يحب جمع المال .
وقد أمرنا بجمع الهم لذكر الآخرة والهوى يشتته . فكيف إذا اجتمعت اليه حاجات لازمة من طلب قوت البدن وقوت العيال . وهذا يبكر إلى دكانه ويفتكر في التحصيل ، ويستعمل آلة الفهم في نيل ما لا بد منه ، فأيّ همّ يجتمع منه خصوصا ان أخذه الشره في ثوره فيمضي العمر ، فينهض من الدكان إلى القبر . فكيف يحصل العلم أو العمل أو اخلاص القصد أو طلب الفضائل ؟ فمن رزق يقظة ، فينبغي
هامش
( 1 ) ذلك ان المعتدة لا تخطب تصريحا وتخطب تعريضا .