بمعشار عشير عواقبها القباح في لذة الدنيا والآخرة . ثم هي نفسها ليست بكبير شيء . فكيف تباع الآخرة بمثل هذا ؟
سبحان من أنعم على أقوام كلما لاحت لهم لذة نصبوا ميزان العقل ونظروا فيما يجني وتلمحوا ما يؤثر تركها فرجحوا الأصلح . وطمس على قلوب فهي ترى صورة الشيء وتنسى جناياته .
ثم العجب أنا نرى من يبعد عن زوجته وهو شاب ليعدو في الطريق فيقال :
ساع « 1 » .
فيغلّب هواه لطلب ما هو أعلى وهو المدح . كيف لا يترك محرما ليمدح في الدنيا والأخرى ؟
ثم قدّر « 2 » حصول ما طلبت من اللذات وذهابها ، واحسب أنها قد كانت وقد هانت وتخلصت من محنها . وأين تعب عالم قد درس العلم خمسين سنة ؟
ذهب التعب وحصل العلم . وأين لذة البطال ؟ ذهبت الراحة وأعقبت الندم .
328 - اعمل بمقتضى عقلك لا بمجرد الحس
من وقف على موجب الحس هلك ، ومن تبع العقل سلم . لأن مجرد الحس لا يرى إلا الحاضر وهو الدنيا . وأما العقل فإنه ينظر إلى المخلوقات ، فيعلم وجود خالق قد منح وأباح وأطلق وحظر ، وأخبر : أني سائلكم ومبتليكم ليظهر دليل وجودي عندكم بترك ما تشتهون طاعة لي . واني قد بنيت لكم دارا غير هذه لإثابة من يطيع ، وعقوبة من يخالف .
ثم لو ترك الحس وما يشتهي مع أغراضه قرب الأمر ، إنما يزني فيجلد .
ويشرب الخمر فيعاقب . ويسرق فيقطع ويفعل زلة فيفضح بين الخلق . ويعرض عن العلم إلى البطالة فيقع الندم عند حصول الجهل .
ثم انا نرى الكثير ممن عمل بمقتضى عقله قد سلمت دنياه وآخرته . وميز بين الخلق بالتعظيم . وكان عيشه في لذاته ( غالبا ) خيرا من عيش موافق للهوى .
فليعتبر ذو الفهم بما قلت وليعمل بمقتضى الدليل وقد سلم .
هامش
( 1 ) أي عداء : بطل في العدو .
( 2 ) أي افرض .