كبار العلماء فسلك بهم من ذلك ما ينهى عنه العلم ، فرأيت أبا حامد الطوسي « 1 » يحكي عن نفسه في بعض مصنفاته قال : شاورت متبوعا مقدما من الصوفية في المواظبة على تلاوة القرآن فمنعني منه ، وقال : السبيل أن تقطع علائقك من الدنيا بالكلية بحيث لا يلتفت قلبك إلى أهل وولد ومال وعلم ، بل تصير إلى حالة يستوي عندك وجود ذلك وعدمه ، ثم تخلو بنفسك في زاوية . فتقتصر من العبادة على الفرائض والرواتب ، وتجلس فارغ القلب . ولا تزال تقول : اللّه . اللّه . إلى أن تنتهي إلى حالة لو تركت تحريك اللسان رأيت كأن الكلمة جارية على لسانك ، ثم تنظر ما يفتح عليك مما فتح مثله على الأنبياء والأولياء « 2 » .
قلت : وهذا أمر لا أتعجب أنا فيه من الموصي به وانما أتعجب من الذي قبله مع معرفته وفهمه ، وهل يقطع الطريق بالاعراض عن تلاوة القرآن ؟ وهل فتح للأنبياء ما فتح بمجاهدتهم ورياضتهم . وهل يوثق بما يظهر ؟ ثم ما الذي يفتح ؟
أثم اطلاع على علم الغيب أم وحي ؟
فهذا كله من تلاعب إبليس بالقوم . وربما كان ما يتخايل من أثر الماليخوليا ومن إبليس . فعليك بالعلم ، وانظر في سير السلف هل فعل أحد منهم من هذا شيئا أو امر به ؟ وانما تشاغلوا بالقرآن والعلم فدلهم على اصلاح البواطن وتصفيتها .
نسأل اللّه عز وجل علما نافعا ، ودفعا للعدو مانعا ، انه قادر .
252 - نصائح في الحب والبغض
من أراد اصطفاء محبوب ، فالمحبوب نوعان امرأة يقصد منها حسن الصورة ، وصديق يقصد منه حسن المعنى ، فإذا أعجبك صورة امرأة فتأمل خلالها الباطنة مديدة قبل أن يتعلق القلب بها تعلقا محكما ، فان رأيتها كما تحب وأصل ذلك كله الدين كما قال : عليك بذات الدين - فمل إليها واستولدها وكن في ميلك معتدل الميل ، فإنه من الغلط أن تظهر لمحبوبك المحبة ، فإنه يشتط عليك ، وتلقى منه الأذى من التجنّي والهجران والادلال وطلب الانفاق الكثير ، وان كانت تحبك ، لأن هذا انما يجتلبه حب الاذلال المقهور وثم نكتة عجيبة ، وهي أنك ربما عملت
هامش
( 1 ) يريد به حجة الاسلام الامام الغزالي .
( 2 ) ما خالف الشرع نرده ولو جاء به الغزالي أو غير الغزالي ، وهذا مما يخالف الشرع .