212 - معرفة الحق سبحانه وطاعته
ينبغي لمن عرف شرف الوجود أن يحصل أفضل الموجود . هذا العمر موسم ، والتجارات تختلف ، والعامة تقول : عليكم بما خف حمله وكثر ثمنه .
فينبغي للمستيقظ أن لا يطلب الا الأنفس .
وأنفس الأشياء في الدنيا معرفة الحق عز وجل . فمن العارفين السالكين من وافى في طريقه بغيته في السفر ، ومنهم من ينظر إلى ما يرضي الحبيب فيحمله إلى بلد المعاملة ، ويرضى بالقبول ثمنا ، ويرى أن كل البضائع لا تفي بحق الخفارة ، ومنهم من يرى لزوم الشكر في اختياره السلوك دون غيره فيقر بالعجز .
وقد ارتفع قوم عن هذه الأحوال ، فرأوا مجرد التوفيق يشغلهم عن النظر إلى العمل . أولئك الأقلون عددا والأعظمون قدرا . هم أقل نسلا من عنقاء مغرب « 1 » .
213 - المبادرة إلى التوبة والصلاح
من علم قرب الرحيل عن مكة استكثر من الطواف ، خصوصا إن كان لا يؤمل العود لكبر سنه وضعف قوته ، فكذلك ينبغي لمن قاربه ساحل الأجل بعلو سنه أن يبادر اللحظات ، وينتظر الهاجم بما يصلح له فقد كان في قوس الأجل منزع زمان الشباب ، واسترخى الوتر بالمشيب عن سية القوس ، فانحدر إلى القلب وضعفت القوى أن يوتر ، وما بقي إلا الاستسلام لمحارب التلف ، فالبدار البدار إلى التنظف ليكون القدوم على طهارة .
وأي عيش في الدنيا يطيب لمن أيامه السليمة تقربه إلى الهلاك ، وصعود عمره نزول عن الحياة ، وطول بقائه نقص مدى المدة ؟
فليتفكر فيما بين يديه ، وهو أهم مما ذكرناه . أليس في الصحيح : ما منكم أحد إلا ويعرض عليه مقعده بالغداة والعشي من الجنة أو النار فيقال هذا ، مقعدك ، حتى يبعثك اللّه ؟
فوا أسفا لمهدّد ، كم يقتل قبل القتل . ويا طيب عيش الموعود بأزيد المنى .
هامش
( 1 ) طائر لا وجود له كان العرب يتوهمون وجوده انظر الكلام عنه في « حياة الحيوان » للدميري .