يقدرون على وصفه لبعدهم عن حقيقة معرفته وقد تمتد هذه الأرابيح بعد الموت على قدرها ، فمنهم من يذكر بالخير مدة مديدة ثم ينسى ، ومنهم من يذكر مائة سنة ثم يخفى ذكره وقبره . ومنهم أعلام يبقى ذكرهم أبدا .
وعلى عكس هذا من هاب الخلق ، ولم يحترم خلوته بالحق ، فإنه على قدر مبارزته بالذنوب وعلى مقادير تلك الذنوب ، تفوح منه ريح الكراهة فتمقته القلوب ، فان قل مقدار ما جنى قل ذكر الألسن له بالخير ، وبقي مجرد تعظيمه .
وإن كثر كان قصارى الامر سكوت الناس عنه لا يمدحونه ولا يذمونه . ورب خال بذنب كان سبب وقوعه في هفوة شقوة في عيش الدنيا والآخرة ، وكأنه قيل له :
ابق بما آثرت ، فيبقى أبدا في التخبيط . فانظروا إخواني إلى المعاصي أثّرت وعثّرت . قال أبو الدرداء رضي اللّه عنه : إن العبد ليخلو بمعصية اللّه تعالى فيلقي اللّه بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر .
فتلمّحوا ما سطرته ، واعرفوا ما ذكرته ولا تهملوا خلواتكم ولا سرائركم ، فان الأعمال بالنية ، والجزاء على مقدار الاخلاص .
116 - الرضى بالقدر
من عرف جريان الأقدار ثبت لها ، وأجهل الناس بعد هذا من قاواها . لأن مراد المقدّر الذل له .
فإذا قاويت القدر فنلت مرادك من ذلك لم يبق لك ذل .
مثال هذا ، أن يجوع الفقير فيصبر قدر الطاقة ، فإذا عجز خرج إلى سؤال الخلق مستحيا من اللّه كيف يسألهم ، وان كان له عذر بالحاجة التي ألجأته ، غير أنه يرى أنه مغلوب الصبر فيبقى معتذرا مستحيا وذاك المراد منه . أو ليس بخروج النبي صلّى اللّه عليه وسلم من مكة فلا يقدر على العود إليها حتى يدخل في خفارة المطعم بن عدي وهو كافر ، عبرة في ذلك ؟
فسبحان من ناط الأمور بالأسباب ، ليحصل ذل العارف بالحاجة إلى التسبب .