شرها في جمع المال فحصل له الكثير منه وهو حريص على الازدياد ، ولو فهم علم أن المراد من المال انفاقه في العمر ، فإذا أنفق العمر في تحصيله فات المقصودان جميعا ، وكم رأينا ممن جمع المال ولم يتمتع به فأبقاه لغيره وأفنى نفسه كما قال الشاعر :
كدودة القز ما تبنيه يهدمها * وغيرها بالذي تبنيه ينتفع
وكذلك رأينا خلقا كثيرا يحرصون على جمع الكتب فينفقون أعمارهم في كتابتها ، وكدأب أهل الحديث ينفقون الأعمار في النسخ والسماع إلى آخر العمر ، ثم ينقسمون ، فمنهم من يتشاغل بالحديث وعلمه وتصحيحه ولعله لا يفهم جواب حادثة ، ولعله عنده لحديث « أسلم سالمها اللّه » مائة طريق .
قد حكي لي عن بعض أصحاب الحديث أنه سمع جزء ابن عرفة عن مائة شيخ ، وكان عنده سبعون نسخة ، ومنهم من يجمع الكتب ويسمعها ولا يدري ما فيها لا من حيث صحتها ، ولا من فهم معناها ، فتراه يقول الكتاب الفلاني سماعي وعندي به نسخة ، والكتاب الفلاني والفلاني فلا يعرف علم ما عنده من من حيث فهم صحيحه من سقيمه ، وقد صده اشتغاله بذلك عن المهم من العلم فهم كما قال الحطيئة :
زوامل للاخبار لا علم عندها * بمثقلها الا كعلم الأباعر
لعمرك ما يدري البعير إذا غدا * بأوساقه أو راح ما في الغرائر « 1 »
ثم ترى منهم من يتصدر ويفتقر الزمان إلى تصدره للرواية فيمد يده إلى ما ليس من شغله ، فان أفتى أخطأ ، وإن تكلم في الأصول خلط ، ولولا اني لا أحب ذكر الناس لذكرت من أخبار كبار علمائهم وما خلطوا ما يعتبر به ، ولكنه لا يخفى على المحقق حالهم .
فان قال قائل : أليس في الحديث : « منهومان لا يشبعان ، طالب علم وطالب دنيا » .
قلت : أما العالم فلا أقول له اشبع من العلم ، ولا اقتصر على بعضه ، بل
هامش
( 1 ) الأوساق جمع وسق : الحمل . والغرائر جمع غراره : الكيس « الشوال » .